مدن عائمة ومنازل فضائية.. كيف يخطط أثرياء العالم للاحتماء من الكوارث؟

post-title
ماسك وبيزوس

 

هذا الكوكب الذي نعيش فيه لم يعد في نظر بعض أثرياء العالم، المكان المثالي لمواصلة التوسع والنمو، في ظل الأزمات المتزايدة التي تهدده، من تغير المناخ إلى التحديات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية.

وبدلًا من الاكتفاء بمحاولة إصلاح المشكلات التي تواجه الأرض، بدأ بعض المليارديرات ورجال الأعمال في التفكير في عوالم جديدة يمكن للبشر أن يعيشوا فيها، سواء عبر استكشاف الفضاء، أو بناء مدن عائمة في البحار، أو إنشاء مجتمعات افتراضية لا ترتبط بالضرورة بحدود الدول.

وفي مقال تحليلي نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، ترصد الكاتبتان نعومي كلاين وأسترا تايلور الطريقة، التي ينظر بها بعض الأثرياء ورجال الأعمال إلى مستقبل الأرض، وكيف دفعتهم هذه الرؤية إلى التفكير في بدائل خارج العالم الحالي، بدلًا من التركيز على إصلاح أزماته.

ويتجه كبار رجال الأعمال إلى فلسفة جديدة، تُطلق عليها الجارديان “فاشية نهاية العالم”، إلى البحث عن مجتمعات جديدة للحياة.

ماسك.. الفضاء الخارجي

أما الملياردير إيلون ماسك، فيطرح تصورًا مختلفًا يقوم على نقل مستقبل البشرية إلى الفضاء.

ويرى ماسك أن الحياة على كوكب الأرض لا ينبغي أن تكون نهاية رحلة الإنسان، وأن البشرية تحتاج إلى هدف أكبر يدفعها إلى الأمام، ما يربطه باستكشاف الفضاء والتوسع خارج الأرض.

ويرتبط هذا التصور بمشروعه الفضائي SpaceX، الذي يهدف على المدى البعيد إلى جعل البشر حضارة متعددة الكواكب، مع التركيز بصورة خاصة على المريخ.

وتشير الجارديان إلى أن هذه الرؤية لا تتعلق فقط بالهروب من المخاطر التي تهدد الأرض، وإنما تنطلق من تصور أوسع لمستقبل البشرية، يقوم على أن استمرار الحضارة يتطلب فتح آفاق جديدة خارج الكوكب.

كما يتبنى ماسك مواقف شديدة التفاؤل بشأن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، محذرًا في أكثر من مناسبة من أن الذكاء الاصطناعي قد يتجاوز القدرات البشرية، وهو ما يدخل في تصوره الأوسع عن مستقبل العلاقة بين البشر والآلات.

بيزوس.. الأرض تحصرنا

يرى جيف بيزوس أن البشر في المستقبل يمكن أن ينتشروا عبر النظام الشمسي بدل أن يظلوا محصورين على الأرض. ووفقًا للمقال فإن تصوره يشمل أن تصبح الأرض نفسها مخصصة أساسًا للسكن والصناعات الخفيفة، بينما يعيش العدد الأكبر من البشر ويواصلون “النمو” في الفضاء على متن مركبات Blue Origin، أي أن الكرة الأرضية تتحول لمكان يسكنه عدد من البشر ويتم تنفيذ بعض الصناعات عليه.

وهو ما يربطه مع الواقع الحقيقي للمشروعه بلو أوريجين شركة الفضاء اللي أسسها جيف بيزوس سنة 2000، منفصلة عن أمازون. هدفها بناء طريق إلى الفضاء وخفض تكلفة الوصول إليه، وعلى المدى البعيد تتصور الشركة أن يعيش ويعمل ملايين البشر في الفضاء.

ثييل.. مدن عائمة في البحر

تتجه بعض الأفكار التي يتبناها كبار رجال الأعمال إلى البحث عن مجتمعات جديدة للحياة خارج البنية السياسية والاقتصادية التقليدية.

وتصف “الجارديان” هذه الرؤية بمصطلح “فاشية نهاية الزمان”، في إشارة إلى ما تعتبره الكاتبتان محاولة من بعض أصحاب الثروات والنفوذ للاستعداد لأزمات مستقبلية عبر بناء مخارج خاصة بهم، بدلًا من معالجة الأسباب التي تقف وراء تلك الأزمات.

ومن بين هذه الأفكار، مشروع المدن العائمة، الذي ارتبط بالملياردير الأمريكي بيتر ثييل، ودعم فكرة إنشاء مجتمعات عائمة في البحر تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال عن الحكومات والأنظمة السياسية القائمة.

وتقوم فكرة الـ”Seasteading” على إنشاء مجتمعات أو منشآت سكنية في المياه الدولية، تضم مساكن ومكاتب وخدمات مختلفة، بما يسمح لسكانها بتجربة أنظمة اقتصادية وقانونية وسياسية جديدة بعيدًا عن سيطرة الدول التقليدية.

كما ارتبط ثييل بفكرة أخرى تقوم على إنشاء مجتمعات رقمية أو افتراضية، إذ تصبح الحدود الجغرافية للدولة أقل أهمية، ويستطيع الأفراد العمل والتعامل اقتصاديًا واجتماعيًا عبر الإنترنت، وصولًا إلى بناء مجتمعات لها قواعدها وهويتها واقتصادها الخاص.

لا مكان للعاديين

يسلط المقال الضوء على أن هذه الفلسفيات تعتمد على حياة الأثرياء، الذين لم يرهقوا أنفسهم في حل المشكلات الحالية للعالم الذي نعيش فيه، ويرفضون أي حل للواقع من أجل بناء العالم الذي يثير حماسهم، مستشهدين بمثالين، عندما أجر جيف بيزوس مدينة فينيسيا الشهيرة الإيطالية من أجل حفل زفافه وصرف ملايين من الأموال على هذه المظاهر البازخة بدلًا من صرف الأموال لإعادة إعمار غزة مثلًا، كما استشهد المقال أيضًا بوقوف اليمين والأثرياء ضد ممداني في انتخابات اختياره كعمدة لنيويورك، لأنه يرغب في خفض أسعار الإيجارات للمنازل وتوفير الساحات والحدائق للعامة للساتمتاع بها وخفض تكاليف العلاج للجميع وغيرها من حلول لحياة أفضل، فيناقش المقال أن هذه الفئة من الناس ترفض أي إصلاح للواقع الحالي، وتبحث عن عالم جديد دون مضايقة أنفسهم بحل أي من المشكلات التي تسببت فيها أعمالهم من البداية من تلوث مثلًا وغيرها.

فلديهم خطط حماسية لحماية أنفسهم وأسرهم من الحرائق السياسية والبيئية التي تحرق كوكبنا، سواء اتخذت هذه الخطط شكل الصعود السماوي، أو المخابئ الأرضية والأمم المحصنة، أو خيالات استعمار الفضاء والاندماج مع الآلات. بدلًا من تحسين ظروف الناس الحقيقيين على الأرض (أو حتى التراجع عن صب الوقود على الحرائق)، يخطط الفاشيون في نهاية الزمان لهروبهم، غير مبالين وغير مدركين لكل ما يستحق الإنقاذ.

الاستغناء عن العالم الحالي

يرجع التقرير أن سبب بحث الأثرياء عن عالم آخر التهديد الذي يشكله ما يسميه “حضارة الركود”، المعروف أيضًا باسم الاضطرار إلى التعامل مع الحدود البيئية الحقيقية وابتكار طريقة لتقاسم الموارد المحدودة للكوكب. لتجنب هذا الحساب، يتخيل بيزوس مستقبلًا “سيتم فيه تصنيف الأرض على أنها سكنية وصناعية خفيفة” وتخصيصها كنوع من المحمية بعيدًا عن متناول معظم سكانها الأصليين.

ستسعى الغالبية العظمى من البشر إلى تحقيق الفائدة الغامضة المتمثلة في “النمو الهائل” في الفراغ المحظور للفضاء، المحاصر على متن المركبات الفضائية ذات الأصل الأزرق. ويبدو أن بيزوس يعتقد أن احتمال أن تعيش البشرية بشكل مستدام وسلمي في منزلنا الثمين الفريد هو احتمال كابوسي لا يستحق نظره.

كانت تلك هي السنوات التي سُمح خلالها للعديد من المشكلات بالتفاقم والتفاقم، فيرى التقرير أن الفاشية هي دائمًا استجابة مشوهة للأزمات الحقيقية. وفاشية نهاية الزمان هي استجابة لأزمات حقيقية على مستوى الكوكب، بما في ذلك مستويات الكربون المتزايدة باستمرار في الغلاف الجوي والثروة في أيدي الأثرياء. إن الاستجابات التي يقترحها -التضحيات الجماعية من البشر وغير البشر على حد سواء- وحشية ويجب تطهيرها من بيننا.