
كشفت السلطات الفرنسية عن توقيف 514 شخصًا، بينهم 198 قاصرًا، للاشتباه في تسببهم بإشعال حرائق غابات، منذ بداية صيف شهد احتراق نحو 115 ألف هكتار من الغابات والأراضي العشبية والأحراش، في واحدة من أسوأ موجات الحرائق التي شهدتها البلاد.
وتشير تقديرات الخبراء إلى أن الحرائق المتعمدة تمثل نحو ثلث حرائق الغابات في فرنسا سنويًا، فيما تصدرت أعمال الحرق العمد أسباب اندلاع حرائق الغابات خلال عام 2025، بنسبة بلغت 29.4% من إجمالي الحرائق، وفق آخر البيانات السنوية الكاملة المتاحة.
رجال وقاصرون
تتباين أعمار المشتبه بهم وملابسات أفعالهم؛ فمن بينهم فتى يبلغ 15 عامًا، ألقى عقب سيجارة مشتعلة في منطقة حرجية قرب بوردو، ورجل يبلغ 36 عامًا أشعل كيسًا ورقيًا من القمامة وسط أحراش قرب بربينيان، فضلًا عن امرأة تبلغ 50 عامًا تواجه اتهامات بإشعال 17 حريقًا جنوب لاروشيل، وفقًا لصحيفة “ذا جارديان” البريطانية.
وأظهر تحليل أولي، استند إلى تقارير الشرطة ونشرته صحيفة “لوفيجارو”، أن 97.5% من المشتبه بهم الذين أوقفوا هذا العام كانوا رجالًا، بمتوسط أعمار بلغ 32.5 عامًا، فيما شكل القاصرون 28.7% منهم. وكان أكثر من 95% من المشتبه بهم مواطنين فرنسيين، بينما كان 37 شخصًا من أصل عينة محدودة تضم 80 مشتبهًا عاطلين عن العمل.
وقال الباحث في علم الإجرام بالشرطة الوطنية الفرنسية، تييري توتان، إن “مرتكبي الحرائق العمد لديهم ملفات شخصية متعددة”، مشيرًا إلى أن الجريمة لا تزال مجالًا قليل الدراسة في فرنسا، وغالبًا ما يصعب فهم دوافعها.
دوافع متعددة
يصنف علماء الجريمة دوافع إشعال الحرائق المتعمدة إلى أربع فئات رئيسية؛ أولها النزاعات، التي قد تشمل خلافات مع الجيران أو صراعات بين العصابات أو الرغبة في الانتقام من أشخاص أو ممتلكات.
وتشمل الفئة الثانية تحقيق مكاسب مالية، مثل الاحتيال على شركات التأمين، بينما ترتبط الفئة الثالثة بدوافع أيديولوجية أو سياسية. أما الفئة الرابعة فتضم أشخاصًا يعانون اضطرابات نفسية أو سلوكية، بينهم عدد محدود من المصابين بهوس إشعال الحرائق.
وأوضح الطبيب النفسي لوران لاييه أن بعض مرتكبي الحرائق قد يسعون إلى الحصول على المال أو الانتقام أو التستر على جريمة، فيما قد يكون آخرون تحت تأثير الكحول أو مواد أخرى. لكنه أشار إلى أن المصاب بهوس إشعال الحرائق يكون هدفه الأساسي إشعال شيء ما.
بحث عن المجد
لا تتجاوز نسبة المصابين بهوس إشعال الحرائق 5% من الأشخاص الذين يتعمدون إشعال النيران. وتشكل فئة أخرى نسبة محدودة مماثلة، تضم رجال إطفاء، معظمهم من المتطوعين ونادرًا ما يكونون من المحترفين، الذين يشعلون الحرائق عمدًا بحثًا عن المجد الذي يحققونه عند إخمادها.
وقد أنشأت أجهزة الإطفاء الفرنسية آليات للتدقيق في المتقدمين للانضمام إليها، تشمل اختبارات نفسية، بهدف اكتشاف هذه الشخصيات، مع إقرارها بأن بعض الحالات قد تفلت من إجراءات الفحص.
اندفاع وتمرد
وترى الأخصائية النفسية الإكلينيكية يوهانا روزنبلوم أن دوافع غالبية المتعمدين لإشعال الحرائق ليست واضحة تمامًا، وقد تختزل في فعل تحدٍّ للنظام، أو رغبة في تدمير ممتلكات الآخرين والاستمتاع بذلك.
وأضافت أن “نسبة لافتة من مرتكبي الحرائق الذين تعاملت معهم يحملون سمات معادية للمجتمع، بينما يجمع القاصرون بين الاندفاع والإحباط، وعدم النضج والتمرد الداخلي، ما يحول دون إدراكهم الكامل لحجم الأضرار الكارثية التي قد تنجم عن أفعالهم”.
عقوبات مشددة
تبدأ عقوبات إشعال الحرائق عمدًا في فرنسا بالسجن 10 سنوات وغرامة قدرها 150 ألف يورو، وترتفع إلى 15 عامًا إذا طالت النيران غابات أو محميات محمية، بينما قد تصل إلى السجن المؤبد إذا أسفر الحريق عن وفاة شخص.
وتشمل العقوبات الناجمة عن الإهمال أحكامًا بالسجن تتراوح بين عام وخمسة أعوام عند ثبوت المسؤولية. إلا أن عددًا من هذه الجرائم يظل دون حل أو إدانة، بعدما تتسبب النيران في تدمير الأدلة التي يمكن أن تقود إلى مرتكبيها.
