
اليمين المتشدد يُعجل بمفاوضات الميزانية الأوروبية الكبرى
باتت رياح اليمين المتشدد تهب بقوة على قاعات المفاوضات في بروكسل، إذ كشفت مجلة بوليتيكو أن صعود حركات الشك في المشروع الأوروبي يُضيق الهامش الزمني أمام الـ27 دولة للتوافق على ميزانية الاتحاد السباعية المقدرة بنحو 2 تريليون يورو، قبل أن تُعيد موجة انتخابية واسعة رسمَ موازين القوى داخل التكتل.
شرارة تُضيء الخطر الأوروبي
نبهت بوليتيكو إلى أن الانتخابات الإقليمية في ولاية “ساكسونيا-أنهالت” الألمانية باتت تمثل لحظة تحول حقيقية في المشهد الأوروبي، فحزب “البديل من أجل ألمانيا”، بخطابه الجامع بين القومية الحادة والعداء للهجرة، يسير بخطى واثقة نحو انتزاع أغلبية برلمانية في الولاية، في سابقة لم تشهدها ألمانيا منذ عام 1945.
وإن كان هذا الفوز لن يُغير القيادة الوطنية مباشرةً، فإن أربعة دبلوماسيين أوروبيين أكدوا لبوليتيكو أنه يُطلق إنذارًا مدويًا تجاه مشهد 2027، حين تتجه كل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا واليونان وإستونيا وسلوفاكيا نحو صناديق الاقتراع، مع احتمالات حقيقية بوصول أصوات معادية لأوروبا إلى سدة القرار.
في هذا السياق، حذر سيجفريد موريشان، المقرر البرلماني الأوروبي للميزانية، قائلًا لبوليتيكو: “مع اقتراب أربع من أكبر خمس دول في الاتحاد من انتخابات برلمانية أو رئاسية، ستزداد صعوبة التوصل إلى اتفاق، لا سيما في ظل صعود الشعبوية المعادية لأوروبا”، مضيفًا أن “الجميع يدرك التبعات السلبية لتأخير اعتماد الإطار المالي متعدد السنوات”.
وزاد دبلوماسي آخر من المشاركين في المفاوضات من حدة هذا التحذير بقوله لبوليتيكو إن نتيجة الانتخابات الإقليمية “ستُحدد ملامح الخريف بأسره”، منبهًا إلى أن التأخير عن ديسمبر سيُوصل المفاوضات إلى عتبة الانتخابات الفرنسية في موقف بالغ الحرج.
جمود المفاوضات
رصدت بوليتيكو أن مفاوضات الإطار المالي متعدد السنوات، الذي يستلزم موافقة الـ27 دولة بالإجماع، تراوح مكانها منذ أشهر، دون أن يجد أي من المعسكرين المتقابلين مصلحةً في التنازل.
ويجوب أنطونيو كوستا، رئيس المجلس الأوروبي، العواصم الأوروبية سعيًا لردم الهوة، فيما تتصادم المصالح بحدة، حيث تقود ألمانيا تكتلًا من الدول الأخرى يطالب بشطب مئات المليارات من الخطة المقترحة، في مقابل تمسك رومانيا وبولندا وسائر الدول المستفيدة بحجم الميزانية كما هو.
وحذر مفوض الميزانية الأوروبي بيوتر سيرافين، على هامش اجتماع الوزراء الأوروبيين المنعقد في أيرلندا، التي تتولى الرئاسة الدورية للمجلس، من أن الأولويات الأوروبية العليا في مجالات التنافسية والدفاع والأمن قد “تغدو أولى ضحايا خفض الإنفاق”.
وتُطالب دول الجناح الشرقي من جهتها بتمويل مُعزز لمواجهة التهديدات الروسية الهجينة ودعم اقتصاداتها، وهو ما جسده كيرستن ميكال، رئيس وزراء إستونيا، حين قال عقب لقائه بكوستا: “لا يمكن لأوروبا أن تطلب من أعضائها الشرقيين تحمّل عبء أمني متنامٍ بينما تُوزع التمويل كما لو أن العالم لم يتغير”.
رهان ماكرون ومأزق لوبان
تحتل فرنسا موقعًا محوريًا في هذه المعادلة الشائكة، إذ تكشف بوليتيكو أن بروكسل تُراقب باضطراب احتمال فوز مارين لوبان، مرشحة اليمين المتشدد، في الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2027، ووفاءً بوعدها بتخفيض مساهمة بلادها في الميزانية الأوروبية إلى النصف.
ويجعل هذا الخطر الداهم إبرام اتفاق قبل الانتخابات أمرًا حيويًا على المستوى الأوروبي، غير أن الضغوط الداخلية تُعقد حسابات إيمانويل ماكرون، الذي يُصر على إقران أي اتفاق بـ”موارد ذاتية” تمنح بروكسل صلاحية فرض ضرائب على عمالقة التكنولوجيا الأمريكية والملوثين الأجانب والقمار الإلكتروني، بديلًا عن تحميل الحكومات الوطنية فاتورة الأولويات المشتركة وتفاقم الأوضاع الاقتصادية في باريس.
وأكد مسؤول أوروبي لبوليتيكو أن “أي اتفاق دون موارد ذاتية سيكون خطًا أحمر بالنسبة لفرنسا”.
ثلاثة مواعيد تحكم مصير الاتفاق
تتضح ملامح خارطة الطريق المرسومة عبر ثلاثة مواعيد محورية، بداية من قمة 15 أكتوبر لمناقشة الميزانية وتقديم أيرلندا موقفًا تفاوضيًا محدثًا، تليها قمة استثنائية في 26-27 نوفمبر لتعزيز زخم المفاوضات، ثم جلسة ختامية في ديسمبر، حيث سيُعقد اجتماع طويل ومضنٍ يُراد منه ألا ينفض دون اتفاق.
وأكد وزير الشؤون الأوروبية الأيرلندي توماس بيرن لبوليتيكو أن أجندة بلاده واضحة: “إنجاز الاتفاق قبل نهاية العام كي تُمرر التشريعات اللازمة في العام التالي”.
وختم أحد الدبلوماسيين المتابعين للمفاوضات المشهد بعبارة كاشفة: “إن أردتم إنجاز الاتفاق، عليكم فعل ذلك خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.. بعدها ربما تنتهي الحفلة للجميع”.
