
في الوقت الذي يستعد فيه اليمين المتشدد الفرنسي لانتخابات رئاسية مصيرية عام 2027، تتسرب من داخل حزب التجمع الوطني إشارات توتر لا يمكن إخفاؤها، تكشف عن شرخ حقيقي بين زعيمته مارين لوبان ورفيقها جوردان بارديلا، وبحسب ما رصدته صحيفة بوليتيكو الأمريكية، فإن الثنائي الذي طالما قُدِّم للرأي العام نموذجًا للتناغم السياسي، بات يتبادل رسائل متضاربة حول ملفات جوهرية، من نظام التقاعد إلى الحجاب، مما يُلقي بظلاله على مسيرة الحزب نحو الإليزيه.
من المرشح البديل إلى الظل المُطيع
أمضى جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني البالغ ثلاثين عامًا، أشهرًا طويلة يُهيئ نفسه خلفًا لمارين لوبان في الترشح للرئاسة، ساعيًا خلال تلك الفترة إلى تليين الصورة الاقتصادية للحزب واستقطاب الناخبين المعتدلين الذين يحتاجهم اليمين للفوز.
غير أن المشهد انقلب رأسًا على عقب في مطلع يوليو الماضي، حين خففت المحكمة حكمًا بإدانة لوبان في قضية اختلاس أموال أوروبية، فُتح على إثره الطريق أمامها للعودة إلى السباق الرئاسي.
ومنذ تلك اللحظة، وجد بارديلا نفسه مُكرهًا على التراجع عن مشروعه، والتحول من مرشح يُصنع لمستقبل الحزب إلى مساند يقف خلف معلمته، في دور أشبه بالظل منه بالشريك.
وتشير بوليتيكو إلى أن لوبان حرصت في اليوم التالي للحكم على تصوير العلاقة بينهما شراكةً متكاملة، هي مرشحة الجمهورية وبارديلا مرشحها لرئاسة الحكومة، وهو منصب أقل نفوذًا بكثير.
معركة التقاعد
تتصدر قضية نظام التقاعد أبرز نقاط الخلاف المُعلن بين الاثنين، إذ تتمسك لوبان بوعدها الانتخابي برد إصلاح الرئيس ماكرون وإعادة سن التقاعد إلى 62 عامًا، وهو الوعد الذي كررته بوضوح في مناظرة رئاسية أخيرة لم يحضرها بارديلا أصلًا، بعد أن كان قد شكك في هذه السياسة علنًا مطلع العام.
وبالتزامن مع هذا النقاش، كشفت بوليتيكو أن فرانسوا دورفيه، المستشار الاقتصادي البارز في الحملة والمدافع الشرس عن الانضباط المالي، أعلن انسحابه، بعد أن دفع بارديلا للتمرد والترشح بدلًا من لوبان، مُعلنًا في الوقت ذاته عجزه عن الدفاع عن المواقف الاقتصادية للحزب.
وزاد الأمر تعقيدًا أن بارديلا وصف رحيله بأنه “قرار شخصي”، في حين أكدت لوبان أنه جاء بـ”رغبتها”، فبدا الاثنان وكأنهما يرويان روايتين مختلفتين عن حدث واحد.
ولا يزال الحزب يُصارع أرقام التمويل، إذ أوضح النائب ألكسندر لوبي لبوليتيكو أن الحزب لم يحسم بعد كيفية تمويل كلفة التراجع عن الإصلاح، فيما تعهدت لوبان بتقديم خطة لخفض الإنفاق بنحو 125 مليار يورو في الخريف المقبل.
تناقض الحلفاء
تجلى الشرخ مجددًا حول مقترح حظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، حين صرح النائب جان فيليب تانجي، أحد أبرز المقربين من لوبان، بأن الحجاب سيصبح مخالفة قابلة للغرامة إن وصلت إلى الرئاسة.
في اليوم التالي مباشرةً، أسرع بارديلا للتهوين من الأمر، مُعيدًا القرار إلى استفتاء شعبي، قبل أن تُحكم لوبان قبضتها على الملف مؤكدةً أن الاستفتاء سيتضمن حزمة إجراءات لـ”مكافحة الأيديولوجية الإسلامية”.
وفي محاولة لرأب الصدع، أكد المتحدث باسم الحزب لوران جاكوبيلي لبوليتيكو أن توافقًا داخليًا تحقق حول الحظر بموافقة بارديلا، مستدركًا أن “ما جرى نقاشه كان الأسلوب لا المبدأ، ولم تكن ثمة توترات”.
