
أكدت مصر والصين، اليوم الأربعاء، ضرورة التوافق على تعميق الشراكة الإستراتيجية الشاملة، وذلك في بيان مصري صيني مشترك عقب محادثات رسمية جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جين بينج.
ووفقًا للبيان المصري الصيني المشترك، عقد الرئيسان محادثات رسمية تناولت مُجمَل العلاقات الثنائية بين البلدين، واستعرضا ما شهدته من تطور ملحوظ وطفرة نوعية منذ تدشين الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين في عام 2014، كما تبادلا الآراء حول القضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وتوصلا إلى توافق واسع النطاق، بحسب بيان صادر عن المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي.
العلاقات الثنائية
واتفق الرئيسان على تعميق الشراكة الإستراتيجية الشاملة، بناءً على عدد من المحاور، وهي: مواصلة الإبقاء على التبادلات رفيعة المستوى وحُسن الاستفادة من الحوار الإستراتيجي بين وزيري الخارجية للبلدين وغيرها من الآليات، ومواصلة تعزيز التنسيق الإستراتيجي، توطيد التعاون ذي المنفعة المتبادلة بين البلدين في المجالات كافة، وتوسيع التنسيق في قضايا الحوكمة العالمية والدفاع عن مصالح الدول النامية والجنوب العالمي.
أعرب الجانبان عن تطلعهما للبناء على التطور الذي شهدته العلاقات خلال السنوات الماضية؛ للعمل نحو الدفع ببناء المجتمع المصري الصيني للمستقبل المشترك، وثمّن الجانب الصيني مبدأ الاتزان الإستراتيجي، الذي أرسته مصر؛ باعتباره يدعم التعددية الدولية.
وأكد الجانبان مجددًا تبادل الدعم الثابت في القضايا المتعلقة بالمصالح الجوهرية والشواغل الرئيسية للجانب الآخر.
كما أكد الجانب الصيني إدراكه للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر؛ بوصفه شريان الحياة الرئيسي، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية، حيث دعا الجانبان دول حوض النيل كافة إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبُّب في إحداث ضرر.
وأكد الجانب المصري رفضه التدخل في الشؤون الداخلية للصين ومواصلة الالتزام الثابت بمبدأ الصين الواحدة، وأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية، ودعم موقف الجانب الصيني من القضايا التي تتعلق بسيادة الصين ووحدة أراضيها، ودعم تحقيق إعادة توحيد الصين.
وأعرب الجانب المصري عن إشادته بما حققته الصين من منجزات تنموية تاريخية تحت قيادة الرئيس “شي جين بينج”، ودعمه للصين في الدفع ببناء دولة قوية ونهضة الأمة على نحو شامل، فيما أعرب الجانب الصيني عن تقديره لما حققته مصر من منجزات في بناء وتنمية الدولة تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في إطار “الجمهورية الجديدة”.
أشاد الرئيسان كذلك باستمرار التعاون الناجح في المشروعات الكبرى في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والتصنيع والفضاء والتكنولوجيا، بما في ذلك استمرار تنفيذ خطة التعاون المشترك لمبادرة الحزام والطريق، ودعم الجانبين لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ودعم شركات الجانبين للقيام بالتعاون في مشروعات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والتصنيع المحلي.
اتفق الجانبان على العمل من أجل تحقيق مواءمة أعمق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة التعاون في بناء الحزام والطريق، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وذلك عبر العمل على تعزيز الشراكات المصرية – الصينية المشتركة، وتشجيع الشركات الصينية على الاستفادة من المزايا التنافسية التي توفرها مصر، والعمل بنشاط على بحث سبل التعاون في مجالات توطين الصناعة، بما في ذلك صناعة السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأبراج الرياح وغيرها، وكذا في مجال تحلية مياه البحر، وتوسيع التعاون في التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات والاقتصاد القائم على البيانات، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بُعد، وسلاسل إمداد المعادن الحرجة، والزراعة وصناعة السيارات، وتعزيز بناء القدرات البشرية وتبادل الخبرات والتكنولوجيات في هذه المجالات، بما يسهم في دعم التحول الرقمي والتنمية المستدامة في مصر.
كما أعرب الرئيسان عن تقديرهما للتعاون المالي القائم بين الجانبين، بما في ذلك إصدار سندات “الباندا” الصينية، وتوسيع ترتيبات تبادل العملات المحلية، وتشجيع المؤسسات المالية في البلدين على دعم الاستثمارات الصناعية والتنموية ومشروعات البنية التحتية والتحول الأخضر والرقمي. وفي هذا الصدد، رحّب الرئيسان بتجديد اتفاقية تبادل العملات بين البلدين وزيادة قيمتها.
واتفق الجانبان أيضًا على توسيع وتعزيز تعاون البلدين في مجال السياحة، بما في ذلك ارتياح الجانب الصيني لزيادة أعداد السائحين الصينيين إلى مصر، ودعم التعاون في مجال إنشاء الفنادق وإدارة المنتجعات السياحية، وتعزيز التعاون في مجالات الإعلام والثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي والتبادل بين الشباب.
وثمّن الرئيسان تنفيذ البرنامج التنفيذي للشراكة الإستراتيجية الشاملة للأعوام (2024-2028)، واتفقا على تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، وتشجيع المزيد من تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية بالعملات المحلية.
وفي هذا الصدد، ثمّن الجانب المصري الإجراءات الصينية لإعفاء الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية، واتفق الرئيسان على تحقيق مزيد من التوازن في الميزان التجاري، وتشجيع دخول مزيد من المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، وفقًا للمعايير الصينية. واتفق الجانبان في هذا الصدد على مواصلة التشاور بشأن اتفاقية “الحصاد المبكر”.
ووجّه الرئيسان الجهات المعنية في البلدين بتعزيز التواصل لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بما في ذلك عقد اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة في أقرب وقت ممكن.
الذكرى السبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية
وأشاد الرئيسان بعمق الصداقة التاريخية التي تجمع بين الحضارتين المصرية والصينية العريقتين، ورحبا بتنظيم سلسة من الفعاليات والأنشطة الاحتفالية المشتركة بهذه المناسبة، و”عام التواصل الثقافي والإنساني بين الصين وإفريقيا عام 2026″.
واتفق الجانبان على مواصلة تعزيز التعاون في مجال إنفاذ القانون والأمن، وبذل جهود مشتركة في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتسريع وتيرة التشاور حول التوقيع على اتفاقية تسليم المطلوبين، وتعزيز التواصل والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتقديم الدعم الثابت لجهود الجانب الآخر في مكافحة الإرهاب.
وأعرب الجانبان عن رفضهما القاطع للإرهاب بجميع أشكاله، ورفضهما لربط الإرهاب بأي دولة أو عرق أو دين بعينه، ورفضهما لممارسة “المعايير المزدوجة” في ملف مكافحة الإرهاب، ورفضهما لإيواء أو دعم القوى الإرهابية تحت أيّة ذريعة، مؤكدين بذل جهود مشتركة في محاربة جميع المنظمات الإرهابية.
كما ثمّن الجانب الصيني الجهود التنموية التي تبذلها مصر، خاصةً مبادرة “حياة كريمة”؛ باعتبارها نموذجًا تنمويًا يهدف إلى الارتقاء بمستوى معيشة المواطنين وتحقيق التنمية الشاملة.
كما ثمّن الجانب المصري في هذا الإطار “مبادرة التنمية العالمية” التي أطلقها الرئيس شي جين بينج؛ باعتبارها أحد المبادرات العالمية التي تسهم في الإسراع بتحقيق أهداف التنمية المستدامة وفقًا لأجندة 2030 للأمم المتحدة، والتي ستواصل مصر المشاركة بنشاط في التعاون بالمجالات كافة في إطارها، كما تُقدِّر مصر “مبادرة الحضارة العالمية”، لا سيما وأن مصر تشارك الصين ذات المبادئ القائمة على احترام الثقافات والحضارات الإنسانية على أساس من المساواة، وأن مصر والصين حضارتان عريقتان تضربان بجذورهما في أعماق التاريخ، وكان لهما إسهامات كبيرة في التاريخ الإنساني، كما تُثمّن مصر “مبادرة الأمن العالمي” و”مبادرة الحوكمة العالمية”، اللتين طرحهما الجانب الصيني، واللتين تسهمان في مواجهة التحديات العالمية وتعزيز السلام والتنمية والازدهار المشترك في العالم.
واتفق الرئيسان على تعزيز التنسيق السياسي والأمني بين البلدين بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وحرصهما على مواصلة التنسيق الوثيق؛ بما يسهم في دعم السلم والاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.
كما شددا على التزام البلدين بمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، ورفض المعايير المزدوجة والإجراءات الأحادية الجانب، وكذلك على ضرورة إصلاح النظام الدولي ومؤسسات التمويل الدولية؛ ليكونا أكثر عدلًا وتمثيلًا للدول النامية وأكثر فاعلية في الاستجابة للتحديات العالمية.
كما اتفق الرئيسان على أن مصر والصين ستستمران في تعزيز التنسيق والتعاون في المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة وتجمُّع البريكس، ومنظمة شنجهاي للتعاون، ومجموعة العشرين، وبما يتضمن تغيُّر المناخ، والأمن الغذائي، والطاقة، والاقتصاد الرقمي.
وفي هذا الصدد، أكد الجانب المصري دعمه للرئاسة الصينية لتجمُّع البريكس عام 2027، وتنظيم الاجتماع التاسع عشر لقادة دول البريكس، مُثمِّنًا مبادرات الصين الخاصة بإطلاق المنظمة الدولية للوساطة والمنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي.
وبشأن القضية الفلسطينية، أعاد الرئيسان تأكيد مركزية القضية في الشرق الأوسط، وأهمية التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة لها على أساس حل الدولتين، بما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مُجدديْن رفضهما القاطع لأية مخططات لتهجير الشعب الفلسطيني من أراضيه تحت أية ذرائع أو مسميات.
وقف إطلاق النار في قطاع غزة
وفي هذا السياق، دعا الجانبان إلى ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود، وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع في أقرب وقت، كما أعربا عن قلقهما إزاء التصعيد الإسرائيلي الخطير في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك ارتفاع وتيرة عنف المستوطنين ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، مُشدديْن على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ودعم دور وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” وضرورة عدم المساس بولايتها.
وبشأن منطقة القرن الإفريقي، أكد الرئيسان أن تعزيز الاستقرار في هذه المنطقة يتطلب احترام سيادة دولها ووحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، كما شددا على أن حوكمة البحر الأحمر وأمنه تقع مسؤوليتهما الرئيسية على الدول المشاطئة له، وأنه ينبغي الاحترام الكامل لإرادة هذه الدول، مع تعزيز التعاون الإقليمي بين هذه الدول لمواجهة التحديات المشتركة وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.
كما توافق الجانبان حول ضرورة احترام وحدة وسيادة أراضي السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، وأكدا عزمهما على العمل سويًا من أجل وقف الحرب في السودان وإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية.
من جانبه، أشاد الجانب الصيني بالدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، وجهودها المتواصلة للتوصل إلى تسويات سياسية شاملة للأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتعزيز مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
في المقابل، أعرب الجانب المصري عن تقديره لرؤية الرئيس الصيني شي جين بينج بشأن صون وتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
كما رحّب الجانبان بالجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى خفض التوتر وتعزيز الحوار والتوصل إلى تفاهمات سياسية تراعي شواغل جميع الأطراف وتسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
وأشاد الرئيسان بالتعاون المُثمِر ضِمن منتدى التعاون الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الإفريقي، وأكدا عزمهما مواصلة تنفيذ مخرجاتهما وتعزيز التعاون العملي في إطارهما.
