
استهل وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت اجتماعات وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين في أشفيل بولاية نورث كارولاينا، وسط معادلة صعبة تجمع بين الترويج للأجندة الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطمأنة الشركاء بشأن قدرة واشنطن على إدارة ديونها المتزايدة، إلى جانب حشد الدعم لحملة اقتصادية جديدة تهدف إلى عزل إيران، بحسب صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية.
ويبحث اجتماع مجموعة العشرين، الذي يستمر يومين، قضايا النمو والتنظيم المالي والاختلالات الاقتصادية العالمية والدين السيادي، لكن الجزء الأكثر حساسية من المباحثات يُجرى في لقاءات ثنائية، حيث يواجه بيسنت تساؤلات بشأن توجهات إدارة ترامب في أسواق السندات والعملات وتأثير الحرب مع إيران على الاقتصاد العالمي.
قلق الأسواق
أوضح خبراء أن أبرز ما يشغل المسؤولين الماليين المشاركين في الاجتماع ليس العقوبات المفروضة على إيران، وإنما مستقبل سوق السندات الأمريكية والسياسات التي تنتهجها وزارة الخزانة للتعامل مع الدين المتضخم.
وقال جوش ليبسكي، نائب رئيس المجلس الأطلسي ورئيس قسم الاقتصاد الدولي، إن الدول المشاركة تريد معرفة توجهات بيسنت بشكل مباشر، خصوصًا في ظل تدخل وزارة الخزانة بصورة أكبر في أسواق السندات والعملات.
وارتفعت المخاوف بشأن الدين الأمريكي بعدما تجاوز إجمالي الدين الفيدرالي 40 تريليون دولار، بينما ظلت عوائد السندات طويلة الأجل قرب مستويات لم تشهدها منذ عام 2007، بفعل مخاوف التضخم والحرب مع إيران والقلق من استمرار ارتفاع الدين.
تحركات الخزانة
سعى “بيسنت” إلى تهدئة الأسواق عبر زيادة عمليات إعادة شراء بعض السندات الحكومية طويلة الأجل إلى أربعة مليارات دولار على الأقل في كل عملية، أي أكثر من ضعف المستهدف السابق، في محاولة لدعم سوق السندات وخفض العوائد طويلة الأجل.
وأثارت هذه السياسة تساؤلات بين المسؤولين الأجانب، خاصة بعد تدخل وزارة الخزانة الأمريكية بالتعاون مع اليابان في يوليو الماضي لدعم الين، وهي خطوة دافع عنها بيسنت باعتبارها وسيلة للحيلولة دون ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى مستويات أعلى.
وتزامنت هذه التحركات مع موقف مختلف من جانب الاحتياطي الفيدرالي، إذ جاء كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي والمشارك في استضافة الاجتماع، بعد خطاب في جاكسون هول أشار فيه إلى إمكانية رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل، بينما تسعى وزارة الخزانة إلى خفض عوائد السندات طويلة الأجل.
حرب إيران
زاد الصراع مع إيران من تعقيد مهمة بيسنت، بعدما أصبحت الحرب عاملًا رئيسيًا في اضطراب أسواق الطاقة والسندات، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة حالة عدم اليقين التي تضغط على النمو العالمي.
وقال وزير المالية الألماني لارس كلينجبيل إنه يعتزم الدفع خلال اجتماعات مجموعة العشرين نحو إنهاء الحرب في إيران والحرب الأوكرانية، محذرًا من أن حالة عدم اليقين العالمية تمثل “سُمًّا” للتنمية الاقتصادية.
وفي المقابل، يستغل بيسنت الاجتماع لحشد دعم الشركاء الدوليين لحملة جديدة تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني وقطع ما تبقى من علاقاته التجارية والمالية مع الخارج.
عزل طهران
يعتزم “بيسنت” استخدام اللقاءات الثنائية مع نظرائه من دول مجموعة العشرين للضغط عليهم للانضمام إلى الحملة الأمريكية ضد إيران، بحسب مسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية.
كان بيسنت وصف الحملة الأسبوع الماضي بأنها “يوم الإنزال الاقتصادي” ضد إيران، مهددًا بمعاقبة الحكومات والشركات التي تواصل التعامل مع طهران، قبل أن تعلن وزارة الخزانة الجمعة أول إجراء علني في إطار هذه الحملة باستهداف فروع بنك مصري كبير في الإمارات ومنعها من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.
وتسعى واشنطن من خلال هذه الإجراءات إلى تقليص قدرة إيران على الحصول على العملات الأجنبية وتمويل تجارتها، لكن نجاح الحملة يتوقف إلى حد كبير على استعداد الدول الأخرى للتعاون مع العقوبات الأمريكية.
نموذج ترامب
حاولت الإدارة الأمريكية أيضًا تقديم سياسات ترامب الاقتصادية باعتبارها نموذجًا يمكن أن تستفيد منه الدول الأخرى لتعزيز النمو، وتشمل خفض الضرائب والحوافز للاستثمار والإنتاج المحلي للطاقة وتخفيف القيود التنظيمية.
وتسعى واشنطن إلى الاتفاق على بيان مشترك في ختام الاجتماعات، فيما وضعت الإدارة “الاختلالات العالمية” في صدارة أجندة المجموعة، مع مطالبة دول مجموعة العشرين بمراجعة السياسات التي تؤدي إلى فائض في الطاقة الإنتاجية والتوسع في صادرات مدعومة حكوميًا، وهو توجه يستهدف الصين بصورة رئيسية.
لكن فرص التوصل إلى توافق واسع بدت محدودة، خصوصًا أن الصين عضو أساسي في المجموعة.
حضور الشركات
وسعت إدارة ترامب أيضًا نطاق المشاركين في اجتماعات أشفيل بإدخال قادة من القطاع الخاص إلى جدول أعمال مجموعة العشرين بصورة غير مسبوقة، في محاولة لربط السياسات الحكومية بمصالح الشركات والاستثمار.
ومن المنتظر أن يشارك في الاجتماعات مسؤولون تنفيذيون بارزون، بينهم جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لـ”جي بي مورجان تشيس” وديفيد سولومون الرئيس التنفيذي لـ”جولدمان ساكس”، إلى جانب مسؤولين من قطاعات التصنيع والرعاية الصحية والتكنولوجيا والعملات المشفرة.
وتضمنت القائمة أيضًا رجال أعمال من شركات مثل “ألبمارل” و”3 إم” و”إيلاي ليلي” و”تروست” و”سيتي بنك” وشركة التكنولوجيا المالية “رامب”، بينما دعت وزارة الخزانة كذلك عدداً من المؤثرين المؤيدين لحركة “ماجا” إلى حضور الاجتماع.
اختبار دولي
جاء اجتماع أشفيل في وقت تواجه فيه إدارة ترامب اختبارًا مزدوجًا يتمثل في إقناع الأسواق والشركاء بقدرتها على إدارة الدين الأمريكي من دون زعزعة النظام المالي العالمي، وإقناع الدول نفسها بالمشاركة في استراتيجية اقتصادية أكثر صرامة ضد إيران.
وتعكس هذه المعادلة صعوبة الجمع بين أجندة أمريكية تقوم على تعزيز النمو الداخلي وزيادة الرسوم التجارية والضغط على الخصوم، وبين حاجة واشنطن إلى تعاون بقية القوى الاقتصادية الكبرى للحفاظ على استقرار الأسواق.
ومع استمرار الحرب مع إيران وارتفاع مستويات الدين الأمريكي، يتحول اجتماع مجموعة العشرين إلى اختبار لمدى قدرة بيسنت على طمأنة الحلفاء والمستثمرين من جهة، واستخدام النفوذ المالي الأمريكي لتحقيق أهداف ترامب الجيوسياسية والاقتصادية من جهة أخرى.
