
دفعت فرنسا وألمانيا باتجاه إعادة هيكلة واسعة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، من خلال منح مسؤولة السياسة الخارجية في التكتل، كايا كالاس، صلاحيات أوسع؛ لتنسيق عمل وحدات المفوضية الأوروبية المعنية بالسياسات الخارجية، بما في ذلك الهجرة والمساعدات التنموية، في محاولة لتعزيز قدرة الاتحاد على التحرك بصورة أكثر فعالية في الساحة الدولية، بحسب “بوليتيكو”.
وطرحت باريس وبرلين مقترحات لإعادة تنظيم جهاز العمل الخارجي الأوروبي، في وقت يواجه فيه الاتحاد ضغوطًا متزايدة بفعل التحولات في موازين القوى العالمية، والتطور السريع للذكاء الاصطناعي، والقيود المفروضة على الميزانية الأوروبية؛ ما دفع عاصمتي أكبر اقتصادين في الاتحاد إلى المطالبة بإعادة النظر في طريقة إدارة السياسة الخارجية.
دور كالاس
استهدف المقترح الفرنسي الألماني تعزيز دور كالاس، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن جانبًا كبيرًا من النفوذ الفعلي في السياسة الخارجية الأوروبية يظل داخل المفوضية الأوروبية، وليس فقط لدى جهاز العمل الخارجي الأوروبي.
وتُشير المقترحات إلى منح كالاس قدرة أكبر على تنسيق عمل الفرق المسؤولة عن الملفات الخارجية داخل المفوضية، بما يسمح بربط أدوات الاتحاد المختلفة، من الدبلوماسية والتجارة والمساعدات إلى سياسات التأشيرات والبعثات الأوروبية، ضمن استراتيجية أكثر توحيدًا لخدمة المصالح الأوروبية.
وأرسلت كالاس بالفعل استبيانًا مختصرًا إلى حكومات الدول الأعضاء للحصول على آرائها بشأن مستقبل السياسة الخارجية، فيما تعتزم طرح مقترحات أولية خلال الأسبوع الجاري، على أن تؤجل التحركات الكبرى إلى حين اكتمال فريقها القيادي الجديد.
إصلاح الجهاز
واجه جهاز العمل الخارجي الأوروبي خلال السنوات الماضية صراعًا على الصلاحيات مع المفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين، وسط نقاش داخل الاتحاد بشأن الجهة التي ينبغي أن تمتلك النفوذ الأكبر في صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية.
كانت ورقة نقاش فرنسية طرحت في وقت سابق من العام إمكانية وضع جهاز العمل الخارجي الأوروبي بالكامل تحت سلطة المفوضية، لكن المقترح الفرنسي الألماني الجديد يتبنى صيغة أقل حدة، تقوم على نقل بعض الوظائف والموظفين إلى المفوضية مع الإبقاء على الجهاز في شكله الأساسي.
ويتولى الجهاز حاليًا نحو 5 آلاف موظف، فيما يُمكن أن يؤدي نقل أجزاء من هيكله إلى المفوضية إلى تقليص حجمه جزئيًا، خصوصًا مع الضغوط الرامية إلى خفض ميزانية الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل.
خلاف أوروبي
واجهت الخطة تحفظات من داخل المؤسسات الأوروبية، إذ رأى دبلوماسي أوروبي أن تنفيذ تغيير مؤسسي كبير في الوقت الحالي غير واقعي، مستبعدًا إقرار إصلاحات واسعة قبل نهاية الولاية الثانية لفون دير لاين في عام 2029.
ويتمثل أحد أبرز التحديات في أن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي تعتمد في جوهرها على إرادة الدول الأعضاء، ما يعني أن إعادة توزيع الموظفين والاختصاصات بين المؤسسات لن تكون كافية وحدها لزيادة نفوذ التكتل الدولي
وقال مسؤول أوروبي إن نقل بعض الفرق من جهاز العمل الخارجي إلى المفوضية لن يحل أزمات الشرق الأوسط أو يوقف الحرب الروسية الأوكرانية، مؤكداً أن تأثير الاتحاد عالمياً سيكون أكبر إذا نجح في تنسيق أدواته المختلفة بصورة أفضل
أدوات متكاملة
ركّزت المقترحات على ضرورة استخدام أدوات الاتحاد الخارجية بصورة أكثر تكاملًا، بحيث لا تعمل الدبلوماسية والتجارة والمساعدات وسياسات التأشيرات والبعثات الأوروبية بشكل منفصل.
ورأى مسؤول أوروبي أن الجمع بين هذه الأدوات يمكن أن يمنح الاتحاد نفوذًا أكبر على المستوى العالمي، مشيرًا إلى أن كالاس تتمتع بموقع مناسب لتوفير هذا التوجيه الاستراتيجي بحكم ارتباط منصبها بكل من المفوضية ومجلس الاتحاد الأوروبي.
وتسعى الخطة بذلك إلى تجاوز حالة التشتت التي عانت منها السياسة الخارجية الأوروبية، خصوصًا في ملفات الأزمات الدولية التي تحتاج إلى قرارات سريعة وقدرة على الربط بين الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية.
تحرك تدريجي
تستعد وزارات خارجية دول الاتحاد لمناقشة الورقة الفرنسية الألمانية خلال اجتماعها في أيرلندا الثلاثاء، بينما تعمل كالاس على جمع آراء العواصم الأوروبية قبل طرح تصوراتها النهائية.
وتتضمن الأسئلة التي وجهتها كالاس للدول الأعضاء كيفية جعل الاتحاد الأوروبي لاعبًا عالميًا أكثر حزمًا واستراتيجية، وكيفية تحقيق استفادة أكبر من بعثاته الدبلوماسية البالغ عددها 145 بعثة، إلى جانب تحسين التنسيق المؤسسي مع المفوضية والمجلس الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، تريد كالاس الانتظار حتى تولي فريقها القيادي الجديد مهامه، ومن بينهم الأمينة العامة المقبلة كاجسا أولونجرين، قبل اتخاذ خطوات كبيرة بشأن مستقبل جهاز العمل الخارجي.
ويكشف التحرك الفرنسي الألماني عن رغبة متزايدة في إعادة ترتيب موازين القوى داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لكن نجاح الإصلاح سيظل مرتبطاً بقدرة الدول الأعضاء على التوافق بشأن الدور الذي تريد أوروبا أن تلعبه في عالم تزداد فيه المنافسة الجيوسياسية والضغوط الأمنية والاقتصادية.
