
صفقة تلو الأخرى.. مودي يعزز شراكاته الدولية تحسبا لاضطرابات ترامب الاقتصادية
كثَّف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تحركاته الدبلوماسية والاقتصادية حول العالم، في محاولة لتنويع شراكات بلاده وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، في ظل حالة عدم اليقين التي أحدثتها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التجارية والجيوسياسية.
ومنذ أغسطس 2025، زار “مودي” ما لا يقل عن 20 دولة، في جولات شملت فرنسا ونيوزيلندا وسيشل وماليزيا وسلوفاكيا وإيطاليا، بينما تستعد نيودلهي لمزيد من التحركات الدبلوماسية خلال الأيام المقبلة.
وتأتي هذه الجهود في وقت تسعى فيه الهند إلى تعزيز قدرتها على مواجهة الاضطرابات التي تعصف بالاقتصاد العالمي، عبر توسيع شبكة علاقاتها التجارية والاستثمارية والأمنية، وعدم وضع مصالحها في سلة واحدة، حسبما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
صفقات متعددة
أسفرت تحركات “مودي” عن إبرام مجموعة من الاتفاقات التي تستهدف قطاعات حيوية للاقتصاد والأمن الهندي، من بينها الحصول على تكنولوجيا للغواصات من ألمانيا، وتسهيل الحصول على تأشيرات للطلاب من فرنسا، إلى جانب اتفاقات تجارية مع بريطانيا ودول أخرى.
كما عززت الهند شراكتها مع فرنسا، خصوصًا في مجالي الذكاء الاصطناعي والحوكمة، مع هدف مضاعفة حجم التجارة الثنائية خلال السنوات الخمس المقبلة.
وأكد مودي ورئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره التزام أوسلو بالمساهمة في توفير مليون وظيفة في الهند، بموجب اتفاق وقعته نيودلهي في أكتوبر مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية.
وفي آسيا، تعهد رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونج باستثمارات ومساعدات في مجال بناء السفن، بينما تسعى الهند إلى أن تصبح واحدة من أكبر خمس دول في صناعة السفن بحلول عام 2047.
وكان مودي أول رئيس وزراء هندي يزور نيوزيلندا منذ أربعة عقود، وركزت مباحثاته على الأمن البحري والتعاون الدفاعي وزيادة التجارة الثنائية.
أوروبا في المقدمة
وفي يناير، وقعت الهند اتفاقية تجارة حرة كبيرة مع الاتحاد الأوروبي -أكبر تكتل اقتصادي في العالم- بعد نحو عقدين من المفاوضات.
ويعكس الاتفاق تحولًا في السياسة التجارية الهندية التقليدية القائمة على حماية السوق المحلية، إذ وافقت نيودلهي على خفض الرسوم الجمركية على السيارات والنبيذ الأوروبييْن وغيرهما من المنتجات.
كما أبرمت الهند اتفاقًا تجاريًا مع بريطانيا في عام 2025، خفضت بموجبه لندن الرسوم على الملابس الهندية، بينما خفضت نيودلهي الرسوم المفروضة على المشروبات الكحولية البريطانية.
مناورة نيودلهي
تسارعت إعادة ضبط السياسة الخارجية الهندية بعد إعلان ترامب رسومًا جمركية عالمية بنسبة 25% في فبراير، قبل أن يفرض في أغسطس رسومًا إضافية بنسبة 25% على الهند، بسبب شرائها النفط الروسي، معتبرًا أن هذه المشتريات تسهم في تمويل الحرب في أوكرانيا.
وكانت الهند تعول خلال ولاية ترامب الأولى على العلاقة الشخصية التي جمعته بمودي، لكن العلاقات شهدت توترًا بعدما كرر ترامب القول إنه أسهم في إنهاء مواجهة عسكرية استمرت أربعة أيام بين الهند وباكستان في مايو 2025، وهو ما أثار استياء نيودلهي.
وتفاقمت الضغوط مع الحرب ضد إيران، إذ تعتمد الهند على مضيق هرمز لمرور نحو 80% من وارداتها من النفط الخام، ما دفعها إلى البحث عن مسارات نقل بديلة.
الاستقلال الإستراتيجي
تركِّز إستراتيجية مودي الجديدة -بحسب الصحيفة- على الدفاع والتكنولوجيا والأمن الإقليمي والطاقة والمعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى فرص الدراسة والعمل في الخارج.
وفي ظل غياب علاقة مستقرة مع واشنطن، تبدو الهند عازمة على إدارة علاقاتها في آن واحد مع الولايات المتحدة والصين والقوى المتوسطة مثل اليابان وكندا، إلى جانب تعزيز الروابط مع شركاء أصغر.
وبذلك لا تبدو تحركات مودي مجرد جولات دبلوماسية، بل محاولة لإعادة تشكيل شبكة المصالح الهندية بحيث تصبح أكثر تنوعًا وقدرة على امتصاص تداعيات التحولات التي أحدثتها سياسات ترامب.
