
بعد أن أثبتت الروبوتات البشرية نفسها كآلات لا غنى عنها في المصانع أو المختبرات، بدأت تخطو بثبات نحو ميادين المنافسة الرياضية.
وفي الصين، تحولت هذه الفكرة إلى واقع ملموس مع انطلاق دورة الألعاب العالمية للروبوتات البشرية في بكين، التي تجمع فرقًا من دول مختلفة في منافسات تحاكي عددًا من أشهر الرياضات، وتكشف في الوقت نفسه عن التطور المتسارع الذي وصلت إليه تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
وتشارك في الدورة أكثر من 2056 روبوتًا بشريًا ضمن 666 فريقًا يمثلون 16 دولة، يتنافسون في 51 فعالية، بإجمالي 1301 مباراة تستمر حتى السادس والعشرين من أغسطس. وتشهد نسخة هذا العام توسعًا ملحوظًا مقارنة بالدورة الافتتاحية التي أقيمت العام الماضي، سواء من حيث عدد المشاركين أو تنوع المنافسات.
تحطيم رقم “بولت”
كانت منافسات ألعاب القوى من أبرز فعاليات الدورة، بعدما شهدت سباقات وقفزات حققت فيها الروبوتات أرقامًا لافتة. ففي الجولة التمهيدية لسباق 100 متر للروبوتات كبيرة الحجم، سجّل أحد الروبوتات زمنًا بلغ 9.39 ثانية، متجاوزًا الرقم القياسي العالمي للرجال الذي سجله العداء الجامايكي أوسين بولت عام 2009، والبالغ 9.58 ثانية، بفارق 0.19 ثانية.
ويعكس هذا الرقم التطور السريع في أداء الروبوتات، إذ إن أفضل زمن مسجل في منافسات العام الماضي كان 21.50 ثانية، ما يعني أن الرقم تحسّن بصورة كبيرة خلال عام واحد فقط، بحسب صحيفة “جلوبال تايمز” الصينية.
ولم تتوقف المفاجآت عند سباقات السرعة، ففي عرض للقفز العالي من وضعية الوقوف، تمكن أحد الروبوتات من تحقيق ارتفاع بلغ 2.8843 متر، متجاوزًا الرقم القياسي البشري للرجال في القفز العالي، الذي سجله الكوبي خافيير سوتومايور عام 1993 بارتفاع 2.45 متر.
وفي نهائي سباق 400 متر للروبوتات كبيرة الحجم، أنهى الروبوت الفائز السباق في 38.15 ثانية، متفوقًا على الرقم القياسي العالمي البشري البالغ 43.03 ثانية.
احتفالات “رونالدو”
وبحسب صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست” الصينية، قدمت منافسات كرة القدم صورة مختلفة عن قدرات الروبوتات، خاصة في مباريات سباعية أظهرت خلالها الآلات قدرة على التعامل مع بيئة الملعب بصورة مستقلة.
فقد تمكنت الروبوتات من التعرف تلقائيًا على محيطها وتحديد مواقع اللاعبين والكرة، دون الاعتماد على التحكم عن بعد. كما تفاعلت مع مجريات اللعب والاحتكاكات البدنية، ووصل الأمر إلى حصول بعضها على بطاقات صفراء.
ولم تقتصر العروض على المهارات الرياضية، إذ حاولت الروبوتات أيضًا تقليد بعض أشهر اللحظات الاحتفالية في كرة القدم. ومن أبرزها إعادة أداء احتفال النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو المعروف باسم “سيو”، من خلال القفز والدوران والهبوط بطريقة تحاكي الاحتفال الشهير.
وتكشف هذه العروض عن تداخل متزايد بين الذكاء الاصطناعي والأنظمة الميكانيكية، بحيث لا تقتصر مهمة الروبوت على تنفيذ حركة مبرمجة مسبقًا، وإنما تشمل فهم البيئة المحيطة والتفاعل معها في الوقت المناسب.
إنسان VS روبوت
ومن أكثر لحظات الدورة إثارة، إقامة مباراة فردية في التنس بين إنسان وروبوت بشري، في مواجهة جمعت نجم التنس الصيني السابق تشنج جي بأحد الروبوتات.
وقبل المباراة الفردية، شهدت المنافسات مباراة زوجية مختلطة، أظهر خلالها الروبوت قدرة على التحرك بسرعة بين جانبي الملعب والتعاون مع شريكه البشري، معتمدًا على تحركات متناسقة بين الجزء الأمامي والخلفي من الملعب، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”.
وفي المواجهة الفردية، خاض الروبوت تبادلات طويلة مع تشنج، ورد على الضربات الأمامية والخلفية، كما أظهر قدرة على التعامل مع الكرات المقوسة والضربات المتنوعة.
وفي إحدى النقاط، دفع تشنج الروبوت للتحرك من جانب إلى آخر، قبل أن يفقد توازنه ويسقط على ظهره. إلا أن الروبوت تمكن من استعادة وضعه سريعًا، وتعديل جسمه والعودة إلى الوقوف خلال ثوانٍ، ليواصل اللعب.
كما أظهر قدرة على التعامل مع الضربات المقطوعة والدورانية، واستجاب لمحاولات تحريكه المستمرة بين مختلف مناطق الملعب، بل تمكن في بعض اللحظات من الرد بهجمات قوية أثارت تفاعل الجمهور.
ووصلت سرعة بعض إرسالته إلى أكثر من 100 كيلومتر في الساعة، وهو ما ترك للروبوت فترة زمنية قصيرة جدًا للاستجابة، ومع ذلك تمكن من مواصلة اللعب تحت الضغط.
تنس الطاولة والمصارعة ورفع الأثقال
تشهد الدورة أيضا مجموعة من المنافسات الجديدة، من بينها تنس الطاولة، الذي يمثل اختبارا أكثر تعقيدا لقدرات الروبوتات على الإدراك وسرعة اتخاذ القرار.
وتحتاج الروبوتات في هذه المنافسة إلى تتبع كرة صغيرة وسريعة الحركة، ثم تحريك أذرعها ومعاصمها بدقة كبيرة من أجل التعامل معها في أجزاء من الثانية.
كما أضيفت إلى برنامج الدورة منافسات الوثب الطويل ورفع الأثقال وشد الحبل، إلى جانب منافسات المصارعة الحرة التي تنقسم إلى فئات وزن تبلغ 40 و58 و80 كيلوجراما.
أما رفع الأثقال، فيركّز بصورة خاصة على اختبار قوة مفاصل الروبوتات وكفاءة أنظمة الحركة لديها، ومدى قدرتها على الحفاظ على التوازن والتحكم في القوة أثناء تنفيذ الحركات.
