تشهد منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، خلال الفترة الأخيرة تحولات أمنية متسارعة، في ظل تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، واتساع نطاق التهديدات التي تواجه حركة الملاحة الدولية، بالتزامن مع مؤشرات متزايدة على تطور قنوات التعاون بين جماعة أنصار الله “الحوثيين” في اليمن وحركة الشباب الصومالية، بما يثير مخاوف من انتقال العلاقة بين الطرفين من مستوى الاتصالات والمصالح المحدودة إلى نمط أكثر تنظيمًا من التعاون، خاصة في مجالات تهريب الأسلحة والخدمات اللوجستية وتبادل الخبرات المرتبطة بالعمليات البحرية.

وتكتسب هذه العلاقة أهميتها من الموقع الجغرافي الذي يتحرك فيه الطرفان؛ فالحوثيون يسيطرون على مناطق إستراتيجية من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، بينما تنشط حركة الشباب وشبكات التهريب والجريمة المنظمة في الجانب الإفريقي من خليج عدن. ومن ثم، فإن أي تطور في مستوى التنسيق بين الطرفين من شأنه أن يضيف بعدًا جديدًا للتهديدات الأمنية المحيطة بباب المندب، باعتباره واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم.

وتأتي هذه المؤشرات بالتزامن مع استمرار حالة التوتر في البحر الأحمر، وإعلان الحوثيين تصعيد عملياتهم البحرية وتوسيع نطاق التهديد ضد السفن والملاحة، فضلًا عن وقوع عدد من الحوادث الأمنية قبالة السواحل اليمنية وفي مناطق مختلفة من البحر الأحمر وخليج عدن، خلال الفترة الأخيرة.

ويطرح هذا المشهد مجموعة من التساؤلات المهمة، هي: ما الذي يدفع الحوثيين وحركة الشباب الصومالية إلى التقارب رغم الاختلاف الأيديولوجي والمذهبي بينهما؟ وما المصالح التي يمكن أن يحصل عليها كل طرف من الآخر؟ وإلى أي مدى يمكن أن يُسهم هذا التعاون في توسيع نطاق التهديد البحري؟ وهل أصبحت المصالح العملياتية أكثر قدرة على تجاوز الخلافات العقائدية بين الجماعات المسلحة؟

أسباب ودوافع التقارب

لا يمكن قراءة التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب بمعزل عن التحولات التي شهدتها شبكة التحالفات الإقليمية، خلال السنوات الأخيرة. فقد تعرضت إيران وحلفاؤها في المنطقة لضغوط عسكرية وسياسية متزايدة، في ظل المواجهات الإقليمية المتلاحقة، والحرب الإسرائيلية على حركة حماس وحزب الله، والتحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بجانب الضغوط السياسية والأمنية التي تواجه بعض الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق.

ودفعت هذه التحولات أطرافًا داخل الشبكة الإيرانية إلى البحث عن مساحات حركة جديدة، وشبكات أكثر مرونة يمكن الاعتماد عليها في تأمين طرق الإمداد والتهريب، بعيدًا عن المسارات التقليدية التي أصبحت أكثر عرضة للمراقبة والاستهداف.

وفي السياق ذاته، تبدو منطقة القرن الإفريقي ذات أهمية خاصة بالنسبة للحوثيين، ليس فقط لقربها الجغرافي من اليمن، وإنما كذلك لوجود شبكات تهريب ممتدة على طول السواحل الإفريقية، يمكن استغلالها في نقل الأسلحة والمعدات والأفراد، وتوفير نقاط دعم لوجستي على الضفة المقابلة للساحل اليمني.

وفي المقابل، استطاع الحوثيون خلال السنوات الأخيرة تقديم أنفسهم كفاعل مؤثر في معادلة أمن البحر الأحمر، بعد أن أظهروا قدرة على تعطيل الملاحة وتهديد السفن واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في عمليات بعيدة المدى. ورغم الضربات العسكرية التي تعرضت لها الجماعة، فإنها حافظت على جانب من قدراتها العملياتية، الأمر الذي يجعل خبراتها العسكرية والتكنولوجية ذات قيمة بالنسبة إلى تنظيم مسلح مثل حركة “الشباب” الصومالية.

منافع متبادلة وأدوار متكاملة

تقوم العلاقة المحتملة بين الحوثيين وحركة الشباب بدرجة أساسية على تبادل المصالح وليس على التقارب الفكري. فبالنسبة للحوثيين يمثل بناء علاقات مع شبكات مسلحة وشبكات تهريب تنشط في الصومال والقرن الإفريقي فرصة لتوسيع مجال حركتهم خارج الساحل اليمني.

كما يمكن أن يوفر هذا التعاون طرقًا إضافية لتهريب الأسلحة والمعدات، ونقاط دعم لوجستي على الجانب الإفريقي من باب المندب وخليج عدن، فضلًا عن إمكان الحصول على معلومات مرتبطة بحركة السفن والطرق البحرية والمناطق الساحلية.

وتكمن الخطورة هنا في أن تتحول السواحل الإفريقية إلى امتداد جغرافي لنشاط الحوثيين، بما يسمح للجماعة بالمناورة في مساحة بحرية أوسع والالتفاف جزئيًا على الرقابة الدولية المفروضة على طرق الإمداد التقليدية.

أما حركة الشباب الصومالية، فلديها بدورها مجموعة واضحة من المصالح. فالتعاون مع الحوثيين قد يمنحها فرصة للوصول إلى أنواع أكثر تطورًا من الأسلحة والمعدات، والاستفادة من الخبرة التي راكمها الحوثيون في تشغيل الطائرات المسيّرة وبعض الأنظمة الصاروخية والوسائل المستخدمة في العمليات البحرية. كما يمنح وجود قناة اتصال مع الطرف اليمني الحركة مساحة أكبر للمناورة عبر خليج عدن، في وقت تتعرض فيه لضغوط عسكرية متزايدة من الجيش الوطني الصومالي والقوات المحلية والشركاء الدوليين. ومن ثم، فإن العلاقة بالنسبة إلى حركة الشباب يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة للبحث عن مصادر جديدة للسلاح والخبرة والدعم اللوجستي، تساعدها على تعويض جانب من خسائرها الميدانية والمحافظة على قدرتها على الاستمرار.

دلالات التعاون ومؤشراته

يحمل التقارب بين حركة الشباب والحوثيين مجموعة من الدلالات الأمنية والإستراتيجية المهمة، خاصة أنه يجمع بين تنظيمين ينتميان إلى بيئتين أيديولوجيتين مختلفتين، لكنهما يلتقيان عند مجموعة من المصالح العملياتية المشتركة.

أولى هذه الدلالات تتمثل في تغليب براجماتية المصالح على الخلاف الأيديولوجي. فمن المعروف أن حركة الشباب تتبنى الفكر السلفي الجهادي وترتبط بتنظيم القاعدة، بينما ينتمي الحوثيون إلى المذهب الزيدي وترتبط الجماعة سياسيًا وعسكريًا بإيران. وبالتالي، فإن التقارب بينهما يكشف عن قدرة الجماعات المسلحة على تجاوز التناقضات العقائدية عندما تفرض المصالح العسكرية والمالية واللوجستية ذلك. ولا يعني هذا بالضرورة حدوث تقارب أيديولوجي بين الطرفين، وإنما يشير إلى نمط من “التخادم العملياتي” الذي يسمح لكل طرف بالحصول على منفعة محددة دون الحاجة إلى بناء تحالف سياسي أو فكري معلن.

وتتمثل الدلالة الثانية في احتمال تشكل نطاق أوسع للتهديد البحري حول باب المندب وخليج عدن. فوجود الحوثيين على الساحل اليمني، بالتوازي مع نشاط حركة الشباب وشبكات التهريب والجريمة المنظمة على الجانب الإفريقي، قد يخلق بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا تطور التعاون إلى تبادل للمعلومات أو المعدات أو تقديم تسهيلات لوجستية.

وفي هذه الحالة، لن يبقى التهديد مرتبطًا فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، التي يتم إطلاقها من الأراضي اليمنية، وإنما يمكن أن يمتد إلى أنشطة بحرية وعمليات تهريب وتحركات تنطلق من مناطق مختلفة على امتداد الساحل الإفريقي، وهو ما يضيف أعباء جديدة على المبادرات والتحالفات الدولية المعنية بتأمين الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.

أما الدلالة الثالثة، فتتعلق بـإمكان تحول حركة الشباب من تهديد محلي وإقليمي محدود إلى فاعل يمتلك قدرات أكثر تطورًا. فقد اعتمدت الحركة تاريخيًا على حرب العصابات والتفجيرات والعمليات الانتحارية والهجمات البرية، إلا أن حصولها على تقنيات متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة أو وسائل الاستهداف البحري يمكن أن يوسع بصورة ملحوظة من نطاق عملياتها. وهو تحول ستكون له تداعيات تتجاوز حدود الصومال إلى دول القرن الإفريقي والممرات البحرية المجاورة، وقد يفرض بدوره تحديات جديدة على جهود مكافحة الإرهاب في شرق إفريقيا.

كما يمكن قراءة التقارب باعتباره محاولة من حركة الشباب للالتفاف على الضغوط العسكرية الداخلية. ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش الصومالي، مدعومًا بالقوى المحلية والشركاء الدوليين، عملياته ضد الحركة، فإن فتح مسارات إمداد بحرية جديدة يمكن أن يوفر لها متنفسًا لوجستيًا وماليًا يساعدها على إعادة بناء جانب من قدراتها.

وتبرز كذلك دلالة أخرى مرتبطة بـإمكان اتساع النفوذ الإيراني بصورة غير مباشرة في القرن الإفريقي. فالتعاون بين الحوثيين وشبكات مسلحة في الضفة الإفريقية لا يستلزم بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين طهران وحركة الشباب، لكنه قد يتيح لإيران الاستفادة بصورة غير مباشرة من شبكة العلاقات التي يبنيها الحوثيون خارج اليمن. ويمكن وصف هذا النمط بأنه “وكيل عبر وكيل”، إذ يصبح الحوثيون حلقة وسيطة تسمح بتوسيع دوائر الحركة والنفوذ دون الحاجة إلى إقامة ارتباط سياسي أو أيديولوجي معلن بين إيران وتنظيم سني جهادي مثل حركة الشباب.

وأخيرًا، يمثل هذا التقارب تحديًا إضافيًا للدولة الصومالية وسيادتها وجهود مكافحة الإرهاب. فالمشكلة لن تقتصر في هذه الحالة على مواجهة حركة مسلحة داخل الحدود، وإنما ستتصل بشبكات عابرة للحدود تعمل عبر طرق بحرية ومسارات تهريب ممتدة بين اليمن والقرن الإفريقي.

وتداخل الإرهاب مع شبكات الجريمة المنظمة والتهريب والقرصنة يمكن أن يوفر مصادر تمويل ومسارات إمداد جديدة، ويزيد من صعوبة تجفيف الموارد المالية واللوجستية للحركة.

في المجمل، لا تكمن خطورة التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب في وجود تحالف أيديولوجي بينهما، فهذا الاحتمال يظل بعيدًا في ضوء الاختلافات العقائدية الكبيرة، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية في تحول المصالح المشتركة إلى شبكة تعاون عملياتية مستدامة.

فإذا انتقلت العلاقة من الاتصالات المحدودة وعمليات التهريب إلى تبادل منتظم للأسلحة والخبرات والمعلومات والتسهيلات البحرية، فإن منطقة البحر الأحمر وخليج عدن ستكون أمام مستوى مختلف من التهديد؛ لأن المواجهة عندئذ لن تكون مع جماعة تتحرك من ضفة واحدة، وإنما مع شبكة من الفاعلين المسلحين وشبكات الجريمة والتهريب القادرة على استغلال هشاشة بعض المناطق الساحلية على جانبي الممر البحري.

ومن هنا، فإن التعامل مع هذا التقارب يتطلب عدم النظر إلى أمن اليمن والصومال والبحر الأحمر باعتبارها ملفات منفصلة. فما يجري على الساحل اليمني أصبح شديد الارتباط بما يحدث في القرن الإفريقي، وأي فراغ أمني على إحدى الضفتين يمكن أن يتحول إلى فرصة للطرف الموجود على الضفة الأخرى. وربما تكون هذه هي الدلالة الأخطر في التقارب الراهن بين الحوثيين وحركة الشباب، إذ إن التهديدات العابرة للحدود أصبحت أسرع في بناء شبكات المصالح من قدرة الدول على التعامل معها بصورة منفردة.