
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران شهرها السادس، فيما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن واشنطن «تجري مفاوضات هادئة» مع طهران، في إشارة إلى اعتماد الإدارة الأمريكية في المرحلة الحالية على الضغط الاقتصادي إلى جانب التحركات العسكرية، بينما تواصل إيران وضع شروط لإعادة فتح مضيق هرمز، في وقت تبقى فيه فرص التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين غير واضحة.
وأظهرت مواقف الرؤساء الأمريكيين السابقين أن التعامل مع إيران تراوح بين التفاوض والعقوبات والعمليات العسكرية والاتصالات السرية، إذ واجه الرئيس جيمي كارتر أزمة الرهائن بعد الثورة الإيرانية، بينما دخل رونالد ريجان في مواجهة مع طهران رغم قضية إيران-كونترا، وسعى باراك أوباما إلى احتواء الخلاف عبر الاتفاق النووي، قبل أن يعيد ترامب في ولايته الأولى سياسة «الضغط الأقصى»، وفقًا لخلفية أعدتها كاثرين نيكولز.
أزمة الرهائن
واجه كارتر واحدة من أخطر الأزمات في العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 واحتجاز عشرات الأشخاص، بينهم 66 أمريكيًا، وبدأت إدارته بإرسال مسؤولين إلى إيران للتفاوض على إطلاق سراح الرهائن، لكن المرشد الأعلى الإيراني آنذاك، الخميني، رفض الاجتماع بهم، ما دفع واشنطن إلى تصعيد ضغوطها تدريجيًا.
وجمّد كارتر الأصول الإيرانية في البنوك الأمريكية، ثم قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران في أبريل 1980 وفرض عقوبات إضافية، وأمر الدبلوماسيين الإيرانيين بمغادرة الولايات المتحدة، قبل أن تنجح مفاوضات توسطت فيها الجزائر في التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الرهائن ورفع تجميد الأصول الإيرانية، إذ وقع الاتفاق في 19 يناير 1981، وأُطلق سراح الرهائن بعد دقائق من مغادرة كارتر البيت الأبيض.
صفقات سرية
انتقل ريجان إلى سياسة أكثر تشددًا، إذ صنّفت إدارته إيران «دولة راعية للإرهاب» عام 1984، لكنها سعت في الوقت نفسه إلى فتح قنوات سرية مع طهران، ووافقت على بيع أسلحة لإيران رغم الحظر المفروض عليها، على أمل المساعدة في إطلاق سراح أمريكيين محتجزين لدى حزب الله في لبنان، وهي جماعة ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران.
وكشفت القضية لاحقًا عن تحويل جزء من عائدات مبيعات الأسلحة إلى جماعة الكونترا التي كانت تقاتل الحكومة اليسارية في نيكاراجوا، لتتحول القضية إلى فضيحة سياسية عُرفت باسم «إيران-كونترا»، ونفى ريجان في البداية وجود صفقة أسلحة مقابل رهائن، قبل أن يتراجع عن تصريحاته، وهو ما أضر بمصداقيته السياسية.
اتفاق نووي
اختار أوباما مسارًا مختلفًا، إذ سعى إلى إعادة فتح قنوات الاتصال مع طهران بعد سنوات من التوتر، وتحدث هاتفيًا مع الرئيس الإيراني حسن روحاني في سبتمبر 2013، في أول اتصال مباشر بين رئيسي الولايات المتحدة وإيران منذ عقود، لتبدأ مرحلة من المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وأثمرت المفاوضات عن الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، والذي فرض قيودًا على تخصيب اليورانيوم الإيراني لفترة تصل إلى 15 عامًا، وسمح بعمليات تفتيش دولية أوسع، مقابل تخفيف بعض العقوبات والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، إلا أن الاتفاق لم يصمد طويلًا أمام عودة سياسة المواجهة في عهد ترامب.
ضغط أقصى
أعلن ترامب في مايو 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، واصفًا إياه بأنه «أحادي الجانب»، وأعاد فرض العقوبات التي كانت قد رُفعت بموجب الاتفاق، قبل أن تصنف واشنطن الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية أجنبية في 2019، وهي خطوة غير مسبوقة استهدفت مؤسسة رسمية تابعة لحكومة أجنبية.
وردت إيران بزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم، فيما بلغ التصعيد ذروته في يناير 2020 عندما أمر ترامب بقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في ضربة أمريكية بالعراق، وردت إيران بإطلاق صواريخ على قواعد تضم قوات أمريكية، بينما فرضت واشنطن مزيدًا من العقوبات، وتزامنت تلك التطورات مع إسقاط إيران بالخطأ طائرة ركاب أوكرانية، ما أدى إلى مقتل 176 شخصًا.
وفي ولايته الثانية، انتقل ترامب إلى مواجهة أكثر اتساعًا مع إيران، تجمع بين العمليات العسكرية والحصار البحري والضغط الاقتصادي، لكنه أبقى في الوقت نفسه على باب التفاوض مفتوحًا، إذ قال مؤخرًا إن واشنطن «تخفف من حدة» تعاملها مع طهران وتراقب تأثير التضخم والأزمة المالية عليها، في وقت تتحدث فيه الإدارة الأمريكية عن مفاوضات غير مباشرة.
معركة هرمز
أصبح مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في المواجهة الحالية، بعدما طالبت إيران برفع الحصار البحري الأمريكي وسحب القوات الأمريكية من محيطها وإنهاء الحرب قبل إعادة فتح الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو خمس إمدادات النفط الخام العالمية، بينما تراجعت حركة الملاحة بصورة حادة خلال الأيام الماضية.
وقالت شركة الاستخبارات البحرية كيبلر إن عمليات العبور المؤكدة للمضيق انخفضت من 15 سفينة يوم الجمعة إلى 11 السبت وست سفن الأحد، في حين بقيت حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب أكثر نشاطًا، رغم المخاوف من هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على السفن.
وأظهرت الأزمة الحالية أن سياسة ترامب تجاه إيران تجمع بين عناصر استخدمها رؤساء سابقون بصورة منفصلة، من العقوبات وتجميد الأصول في عهد كارتر، إلى العمليات السرية في عهد ريجان، والتفاوض النووي في عهد أوباما، لكنها تضيف إليها ضغطًا عسكريًا واقتصاديًا مباشرًا، ما يجعل مسار العلاقة بين واشنطن وطهران مرتبطًا حاليًا بقدرة الطرفين على منع التصعيد وتحويل الضغوط إلى اتفاق جديد.
