
لم يكن المخرج المصري الراحل رضوان الكاشف من صناع الأفلام الذين يقيسون نجاحهم بعدد الأعمال، بل كان من أصحاب المشروعات السينمائية التي تركت أثرًا يتجاوز عمرها الزمني. انحاز منذ بداياته إلى الإنسان البسيط، وجعل من الكاميرا وسيلة للدفاع عن المهمشين والفقراء، مقدمًا سينما واقعية تحمل هموم المجتمع وتغوص في تفاصيله الإنسانية.
ورغم أن رصيده لم يتجاوز ثلاثة أفلام روائية طويلة، إلى جانب ثلاثة أفلام تسجيلية، وفيلم قدمه مشروعًا لتخرجه بالكلية، وحصل من خلاله على جائزة العمل الأول من وزارة الثقافة عام 1988، فإنها رسخت اسمه بين أبرز المخرجين أصحاب الرؤية الخاصة في تاريخ السينما المصرية. لكن الموت باغته عام 2002، قبل يوم واحد فقط من بدء تصوير فيلمه الجديد “عقبال عندكم”، ليرحل في نهاية الأربعينيات من عمره، تاركًا وراءه مشروعًا فنيًا كان يعد بالكثير.
وُلد رضوان الكاشف في حي السيدة زينب بالقاهرة في 6 أغسطس 1952، بعد أسابيع قليلة من قيام ثورة يوليو، بينما تعود أصول أسرته إلى قرية كوم أشقاو بمحافظة سوهاج، قبل أن تستقر في حي منيل الروضة بالقاهرة.
درس الفلسفة بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وحصل على الليسانس عام 1978، وهو ما أثر في نظرته وفلسفته للحياة. ولأن شغفه بالسينما لم يكن مجرد هواية، التحق بالمعهد العالي للسينما، وتخرج عام 1984 متصدرًا دفعته بفيلمه القصير “الجنوبية”، وبعدها عمل مساعدًا لعدد من كبار المخرجين، منهم يوسف شاهين، وداود عبد السيد، ورأفت الميهي، قبل أن يؤسس لغته السينمائية الخاصة.
ثلاثة أفلام صنعت اسمه
رغم قلة إنتاجه، نجح رضوان الكاشف في تقديم ثلاثة أفلام أصبحت من كلاسيكيات السينما المصرية الحديثة. كانت البداية مع “ليه يا بنفسج” عام 1992، الذي حصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، إلى جانب جائزة أفضل فيلم في مهرجان باريس، فضلًا عن جوائز أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل سيناريو من مهرجان المركز الكاثوليكي.
وفي عام 1998، قدم “عرق البلح”، أحد أهم أفلامه وأكثرها حضورًا في المهرجانات الدولية، إذ فاز بجائزتين ذهبيتين في مهرجانين بفرنسا والمغرب، قبل أن يختتم مسيرته بفيلم “الساحر” عام 2001، بطولة الفنان الراحل محمود عبد العزيز، والذي كان أحد أهم أعماله، ليكون الكاشف من أصحاب الرؤى المختلفة في السينما المصرية.
“عرق البلح”.. حكاية من قلب الواحات
كشف رضوان الكاشف، خلال أحد لقاءاته التلفزيونية، أن تصوير “عرق البلح” كان من أصعب التجارب التي خاضها، بعدما جرى التصوير في منطقة الواحات البحرية وسط ظروف مناخية قاسية، مشيدًا بالفنانة شريهان، التي أكد أنها تعاملت مع التجربة باحترافية كبيرة، وقدمت المشاهد الصعبة دون تردد أو شكوى، كما أثنى على التزام الفنانة القديرة عبلة كامل منذ قراءتها للسيناريو.
تدور أحداث الفيلم في قرية صغيرة بالصعيد حيث يعيش الناس في فقر مدقع. يصل إلى القرية رجل غريب يدعو الناس إلى السفر للعمل بدول الخليج، فيسافر جميع الرجال فيما عدا الجد العاجز، وحفيده أحمد (محمد نجاتي) ومجموعة كبيرة من النساء.
وأوضح أن الفيلم يستند إلى واقع عاشه بنفسه في محافظة سوهاج (صعيد مصر)، حيث شهد هجرة أعداد كبيرة من شباب الصعيد بحثًا عن الرزق، تاركين النساء يواجهن أعباء الحياة وحدهن، وهي القضية التي سعى إلى تجسيد آثارها الاجتماعية والإنسانية على الأسرة المصرية.
فيلم منحاز للمرأة
اعتبر الكاشف، في لقاء تليفزيوني سابق، أن “عرق البلح” كان عملًا منحازًا للمرأة، إذ أبرز معاناتها وقوتها في مواجهة الحياة بعد هجرة الرجال، مؤكدًا أن المشروع قوبل برفض عدد كبير من المنتجين، حتى آمنت به المنتجة ماريان خوري، وقررت إنتاجه رغم صعوبته.
وأشار إلى أنه عندما حصد الفيلم إحدى جوائزه في مهرجان قرطاج، أهدى الجائزة إلى ماريان خوري تقديرًا لدعمها وإيمانها بالفيلم منذ اللحظة الأولى.
دروس يوسف شاهين
ظل يوسف شاهين يمثل المدرسة الأهم في تجربة رضوان الكاشف، إذ أكد أنه تعلم منه الجرأة في اختيار الموضوعات، والاهتمام بالتفاصيل، وإدارة المجاميع والممثلين، ومنحهم الوقت الكافي للتحضير قبل التصوير.
ورغم رحيله المبكر، بقي رضوان الكاشف أحد أهم المخرجين الذين آمنوا بأن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداةً لطرح الأسئلة والدفاع عن الإنسان، لتظل أفلامه شاهدًا على موهبة استثنائية اختطفها الموت قبل أن تكتمل.
