
يشهد العالم تحولًا متسارعًا في طبيعة الصراعات العسكرية مع ما يصفه خبراء بأنه بداية “العصر الثالث للصواريخ”، حيث تنتشر الصواريخ الباليستية التقليدية بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعةً بالدروس المستخلصة من الحربين في إيران وأوكرانيا، اللتين أظهرتا الدور الحاسم لهذه الأسلحة في تغيير موازين المعارك واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي.
فخلال الأشهر الماضية، استخدمت آلاف الصواريخ الباليستية التي أطلقت من البر والجو في ساحات القتال. وتشير التقديرات إلى أن إيران وحدها أطلقت نحو ألفي صاروخ منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، متسببة في أضرار واسعة، كما أسهمت في استنزاف مخزونات صواريخ الاعتراض التي يصعب تعويضها بسرعة.
تغيير مسار الحروب
ويرى محللون تحدثوا لصحيفة “The Japan Times” أن الصواريخ الباليستية الإيرانية أسهمت في إطالة أمد الصراع، إذ واصلت طهران تنفيذ هجمات بعيدة المدى رغم تصريحات أمريكية سابقة أشارت إلى تدمير قدراتها العسكرية. واستمرت الضربات الصاروخية الإيرانية في استهداف مواقع داخل منطقة الخليج، بما في ذلك هجمات استهدفت قوات أمريكية.
وفي أوكرانيا، استخدمت روسيا صواريخ باليستية لاستهداف منشآت حيوية وبنية تحتية، ما أدى إلى استهلاك كميات كبيرة من صواريخ الاعتراض المتطورة، وعلى رأسها منظومة PAC-3 الأمريكية، التي تُعَد من الوسائل القليلة القادرة على التصدي لهذا النوع من التهديدات.
ورغم أن الطائرات المُسيّرة استحوذت على جانب كبير من الاهتمام خلال النزاعات الأخيرة، فإن التجارب الميدانية أظهرت أن الصواريخ الباليستية، خصوصًا التي يتجاوز مداها ألف كيلومتر، تمنح حتى الدول ذات القدرات العسكرية المحدودة وسيلة لفرض تهديد مباشر على خصوم أقوى منها.
سباق تسلح يتسارع
ويقول خبراء إن انتشار هذه الصواريخ يُعيد رسم موازين القوة العالمية، ويمنح عددًا أكبر من الدول قدرة على فرض كلفة عسكرية واقتصادية على خصومها من مسافات بعيدة، وهو ما يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إعادة تقييم إستراتيجيات الانتشار العسكري والدفاع، وفقًا لـ “The Japan Times”.
ويعود تاريخ الصواريخ الباليستية إلى الحرب العالمية الثانية مع صواريخ V-1 وV-2 الألمانية، قبل أن يشهد العالم خلال الحرب الباردة توسعًا كبيرًا في ترساناتها، مع تركيز معظمها على حمل الرؤوس النووية.
لكن المشهد بدأ يتغير مع تطوير الصين وكوريا الشمالية صواريخ باليستية تقليدية بعيدة المدى، ثم تسارع هذا الاتجاه بعد انسحاب الولايات المتحدة عام 2019 من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، التي كانت تحظر الصواريخ التي يتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر.
أوروبا وآسيا تدخلان المنافسة
وتشهد آسيا وأوروبا اليوم سباقًا واضحًا لتطوير صواريخ بعيدة المدى. فقد كشفت كوريا الجنوبية عن صاروخها الباليستي Hyunmoo-5، بينما تعمل اليابان على تطوير صاروخ Type 25 المزود بمركبة انزلاقية فرط صوتية؛ بهدف تعزيز قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع الجوي.
وفي أوروبا، أطلقت ست دول، هي: المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبولندا، والسويد، برنامجًا مشتركًا لتطوير صاروخ بعيد المدى يصل مداه إلى ألفي كيلومتر بحلول عام 2030، في وقت أعلن فيه حلف شمال الأطلسي “الناتو” تخصيص استثمارات كبيرة لتعزيز قدرات الضربات بعيدة المدى.
كما تستعد أوكرانيا لإطلاق الإنتاج الكمي لصواريخ باليستية محلية الصنع، بالتوازي مع استخدامها المكثف للطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة في استهداف العمق الروسي.
ويرى خبراء أن التهديد المستقبلي لن يعتمد على الصواريخ وحدها، بل على دمجها مع أسراب من الطائرات المُسيّرة والصواريخ المجنحة في هجمات متزامنة؛ تهدف إلى إغراق أنظمة الدفاع الجوي وإرهاقها قبل توجيه الضربات الأكثر تدميرًا.
كما تواجه الولايات المتحدة تحديًا متزايدًا يتمثل في استنزاف مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى، مثل توماهوك وJASSM-ER؛ نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة، في وقت لا يزال إنتاج هذه الذخائر يتم بوتيرة محدودة.
ويخلص خبراء الدفاع إلى أن العالم لا يشهد ظهور تهديدات جديدة فحسب، بل دخول مرحلة تتزايد فيها أهمية الصواريخ الباليستية التقليدية باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في الردع والحرب، وهو ما ينذر بسباق تسلح جديد قد يعيد تشكيل الإستراتيجيات العسكرية خلال السنوات المقبلة.
