
عندما تحل ذكرى مناسبة وطنية، يكون السؤال: ما الجديد الذي يمكن أن يقال فى مناسبة تحل سنويا؟ هل من جديد يقال؟ أم أن الأقلام تجتر ما سبق أن قيل فى مثل هكذا مناسبة؟ لكن حدثا بقيمة 23 يوليو 1952، لا يزال يحمل الكثير من الأسرار التي لم تكشف بعد، فعملية التأريخ لهذا الحدث المحوري في تاريخ مصر المعاصر، مستمرة، بل ومطلوبة لهذا الحدث المفصلي الذي فتح باب حكم الدولة المصرية أمام المصريين بعد قرون من الإبعاد والابتعاد، لذا يظل السؤال المطروح دوما: ما هى الأسرار التي ستكشف عن ثورة يوليو 1952 مع مرور الأيام؟ وما هى الأسباب التى تجعل إمكانية ترقب انكشاف المزيد من أسرار حدث مر عليه أكثر من سبعة عقود؟
الحديث عن ثورة يوليو جرّ الكثير من مداد الأقلام، فالحدث المؤسس للهوية المصرية فى بداية النصف الثانى من القرن العشرين، تحول إلى نقطة جذب هائلة للكتابة التاريخية، فالحدث مغرٍ بالكتابة كونه أنهى الحكم الملكى والاحتلال البريطانى والنظام الإقطاعى، وأسس الجمهورية وحقق شعار مصر للمصريين، الذى نادت به النخب المصرية منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، لذا سارع أبناء مختلف الأطياف للكتابة عن يوليو، من منطلقات مختلفة، بعضها محب وبعضها كاره، بعضها منصف وبعضها متحامل، بعضها يدعى البطولة كما يفعل الكثير من كتاب المذكرات، وبعضها يدعى الأهمية كما يفعل كتاب ذكريات.
ورغم سيل الكتابة عن يوليو، إلا أن هناك الكثير من الأسرار التى لم تكشف بعد، بسبب غياب الوثائق المتعلقة بهذه الأحداث، ربما يكون من ضمنها الساعات الأخيرة للملك فاروق قبل تنحيه عن الحكم، وطبيعة الاتصالات التى جرت مع الإنجليز والأمريكان فى هذا الصدد، وكذلك الحوارات التى ضمت أعضاء مجلس قيادة الثورة من الضباط الأحرار، والمحفوظة فى محاضر جلسات المجلس، والتى تكشف عن مواقف هذه الشخصيات الفاعلة بصورة غير موجودة فى أى كتاب كتب عن ثورة يوليو، وصولا إلى أزمة مارس 1954 وتفاصيل الصراع بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب.
وسبق أن اشتكى الراحل الدكتور رؤوف عباس حامد، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، من غياب وثائق يوليو، إذ قال فى مقدمة تحريره لكتاب «أربعون عامًا على ثورة يوليو» الصادر فى سنة 1992: «غير أن فريق البحث لم يستطع الاطلاع على وثائق الثورة غير المنشورة، فلا تزال هذه الوثائق بعيدة عن متناول الباحثين، ولم تصل بعد إلى مكانها الطبيعى بدار الوثائق التاريخية القومية. فنحن لا نعرف – مثلا- أين توجد وثائق قيادة الثورة، أو الأوراق الخاصة بعبد الناصر، كما أن أرشيف القصر الجمهورى غير متاح للباحثين». من هذا المنطلق الذى تحدث عنه الدكتور حامد قبل أكثر من ثلاثين عاما، نستطيع القول إن الكثير من أسرار يوليو لم تكشف بعد.
◄ مغرية للكتابة!
بدوره قال الدكتور محمد صابر عرب، وزير الثقافة الأسبق وأستاذ التاريخ الحديث بجامعة الأزهر، لـ«آخر ساعة»: «كلما تقادم الزمن ظهرت قضايا جديدة ومعلومات جديدة، لأن التاريخ لا يكتب فى فترة وقوع الحدث، بل فى الفترات اللاحقة على الحدث، فنحن الآن لا نزال نكتب عن محمد على باشا رغم مرور مائتى سنة. فطالما توافرت معلومات جديدة ومصادر جديدة وهناك شخص لديه أدوات الكتابة، سيظل هناك جديدا عن ثورة يوليو، خصوصا أن معظم ما كتب عن هذه الثورة بأقلام معاصرين لها، لكن لم يكتب عنها من خلال الوثائق ومضابط الاجتماعات والمحاضر وهذا هو المهم، لذا ستظل موضوعا مهما للكتابة ومغريا للكتابة أيضا، وسنظل نبحث عن وثائقها ومصادرها فموضوع الكتابة فيه لم يُغلق بل قابل للكتابة فى موضوعات كثيرة، لأن التاريخ هو أن تسأل أسئلة وتحاول الإجابة عنها، وتسأل عن المسكوت عنه فى الموضوع».
ولفت عرب النظر إلى التعامل الخاطئ مع المذكرات التى صدرت عن بعض الفاعلين فى مشهد يوليو، قائلا: «كثير من المذكرات كتبت من وجهة نظر أصحابها، وهى فى معظمها تبريرها أى رواية الأحداث من وجهة نظر كاتب المذكرات ويدافع عن مواقفه، ربما يمكن استثناء مذكرات خالد محيى الدين وثروت عكاشة من هذا الحكم، فالمذكرات ليست تاريخًا، هى مادة يعتمد عليها الباحث فى الكتابة التاريخية، أى أنها المادة الخام بجوار غيرها من مصادر مختلفة التى يعتمد عليها الباحث التاريخى فى كتابة عمله».
◄ الأهواء والحقيقة!
اتفقت الدكتورة لطيفة سالم، أستاذة التاريخ والمعاصر بجامعة بنها، مع رأى الدكتور صابر عرب، قائلة لـ «آخر ساعة»: « أى حدث كتب على يد المؤرخين فى أى عصر لا يصبح نهائيا، وذلك لأن هناك أشياء لا تصدر إلا مع الزمن، خصوصا مع اكتشاف مصادر ووثائق جديدة، أو حتى تغير أهواء من يكتب الحدث فليس كل من كتب فى التاريخ من الموضوعيين، بالنسبة لثورة يوليو ستجد أنه كتب عنها من كل من هب ودب، بداية من المذكرات التى تعكس أهواء صاحبها، فمثلا السادات عندما كتب (يا ولدى هذا عمك جمال) ثم كتب (البحث عن الذات) وقع فى تناقضات بين روايته للأحداث التاريخية فى الكتابين، فضلا عن عشرات الكتب التى كتبت عن الثورة وأحداثها من وجهات نظر مختلفة، لكن لا يزال هناك مساحة لاكتشاف أسرار ومفاجآت جديدة تتعلق ببعض حقائق ثورة يوليو غير المكتشفة».
وتابعت لطيفة سالم: «لا تزال ثورة يوليو وأحداثها تحتاج إلى إعادة كتابة، فنحن فى حاجة لإصدار البرلمان لقانون الوثائق الجديد لكى يكون هناك نظام للكشف عن وثائق ثورة يوليو بشكل واضح، فمثلا محاضر جلسات مجلس قيادة الثورة غير منشورة ولا متاحة للباحثين، رغم أهميتها فى الكشف عن طبيعة النقاشات بين أعضاء مجلس الثورة من الضباط الأحرار، وحين إتاحة هذه الوثائق ستعاد كتابة تفاصيل ثورة يوليو وأيامها بشكل مختلف، فلا يزال الكثير من الكلام والحديث مفتوحا فى المستقبل لإعادة التأريخ لحدث مفصلى مثل يوليو وفهم أكبر لدوافع الشخصيات التاريخية الفاعلة، لذا سيظل قلم التاريخ يكتب باستمرار».
◄ بعض المحاذير
وعن وثائق ثورة يوليو يقول الدكتور حسين السيد، مدرس التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة 6 أكتوبر: «وجود الوثائق ضرورى جدا فى قراءة ثورة يوليو والنظام الذى انبثق عنها، سواء لفهم قراراته الداخلية أو علاقاته الخارجية إقليميًا ودوليًا، لكن الباحثين يسعون إلى تغطية نقص الوثائق المصرية باللجوء إلى الوثائق الأمريكية والبريطانية، وهذا يوقع الباحثين فى بعض المحاذير، لأنك تكتب من وجهة نظر أجنبية قد تكون معادية لتجربة يوليو، وللأسف قد يقع الباحث وهو فى مقتبل العمر تحت تأثير توجهات هذه الوثائق».
وأشار السيد إلى غياب الأرشيف المصرى خارجيًا وذلك بعدم وجود فهرس إلكترونى له على شبكة المعلومات الدولية، وداخليًا بعدم ربط المجموعات الوثائقية المختلفة بعضها البعض، على عكس الأرشيف البريطانى الذى يمكن من خلال جهاز كومبيوتر أن تبحث فى قاعدة بياناته عن موضوع بعينه فيقدم لك كل الوثائق المتاحة فى الأرشيف بأماكنها.
وشدد الدكتور حسين السيد، على أن الكشف عن جزء من الوثائق لا يعطى إلا رؤية ناقصة للمشهد، وتابع: «من خلال تجربتى فى التعامل مع وثائق نظام يوليو مع لبنان، وجدت أن المتاح هو وثائق سفراء مصر فى بيروت، أما الوثائق التى تصدر من المركز أى وزارة الخارجية، فهى إما محدودة أو غير متاحة، لذا رؤية صانع القرار فى القاهرة غائبة، وتستشفها مما هو قادم من مخاطبات السفراء، والتى قد تعبر عن رؤية السفراء لا رؤية الدولة، وهذا نموذج على الأرشيف الناقص الذى نتعامل معه، مما يجعل إمكانية الكشف عن مزيد من الأسرار ممكنة حال توافرت بقية الوثائق وأصبحت متاحة للباحثين».
◄ الثورة موثقة
فى المقابل، اختلف الدكتور عاصم الدسوقى، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة حلوان، فى الرأى، إذ رأى أنه تم توثيق ثورة يوليو بشكل واضح، قائلا لـ «آخر ساعة»: «الثورة موثقة من مصادر مختلفة بمعرفة متخصصين، بعيدا عن كتاب الصحف والمجلات والمتحدثين على الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعى، يمكن مثلا الرجوع لكتابات مؤرخ مثل عبد الرحمن الرافعى عن ثورة يوليو لتكوين صورة واضحة عنها، خصوصا أنه كان بعيدا عن الضباط الأحرار والسياسيين».
وشدد الدسوقى على أن هناك العديد من الوثائق المتاحة حول ثورة يوليو، «حتى ولو لم تكن متكاملة أو كاملة كوحدات أرشيفية»، لافتا إلى أن الوثائق وتجميعها أمر يكتنفه بعض الصعوبات، قائلا: «لا يوجد نظام ثابت للاطلاع على الوثائق فى مصر، بينما هناك مشكلة تتعلق بالوثائق الغربية فبريطانيا تجعل شرط الإفراج عن الوثائق أن يمر عليها 30 عاما، وهو ما وجدته خلال زياراتى للأرشيف البريطانى، لكن وجدت أن وثائق يوليو لها وضع خاص إذ سيتم الإفراج عنها بعد مرور 75 عاما أى بعد أعوام قليلة، أما الولايات المتحدة فلا يوجد لديها دار وثائق، لكن وزارة الخارجية تصدر كل بضع سنوات وثائق مجمعة عن موضوع بعينه، لكن بعد اختيار الوثائق التى تنشر بما يخدم المصالح الأمريكية».
كلام الدكتور الدسوقى يؤيده وجود الكثير من الكتب التاريخية التى تتحدث عن ثورة يوليو، ففضلا عن سيل من المذكرات والذكريات من قبل فاعلين مختلفين فى الأحداث، يمكن قراءة لشهادة وتأريخ أحد صناع الحدث فى عمل أحمد حمروش، وهو أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، إذ قدم تأريخا شاملا للثورة فى خمسة أجزاء، بينما نجد الصحفى الأقرب لعقل عبد الناصر، محمد حسنين هيكل، يقدم رواية شبه رسمية فى كتابه (سقوط نظام: لماذا كانت ثورة يوليو 1952 لازمة؟)، ونجد قراءة إسلامية النزعة فى عمل طارق البشرى (الديمقراطية ونظام 23 يوليو)، وأما التفسير التآمرى للحدث فنراه فى عمل (ثورة يوليو الأمريكية) لجلال كشك، كذلك نجد محاولة لتأريخ الثورة وأحداثها فى عمل المؤرخ المصرى عبد الرحمن الرافعى فى كتابيه (مقدمات ثورة 23 يوليو 1952)، و(ثورة 23 يوليو 1952)، وصدرا فى 1957، مما يجعلهما من الكتب التى صدرت فى قلب الأحداث.
أمام كل هذا الكم من الكتب يظل السؤال مطروحا: هل هناك أسرار لم تكشف بعد بخصوص ثورة يوليو 1952؟ يبدو أن الإجابة ستكون بنعم، فالوثائق لا تزال حبلى بالكثير من الأسرار التى تعد بالمفاجآت…..
مي محمد ✍️✍️✍️
