في 14 يوليو، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” خبرًا حصريًا أثار ضجة في عالم الأعمال والتكنولوجيا حول العالم، حيث ذكرت أن شركة ألفابت، وهي شركة الأم لغوغل، تجري محادثات للاستحواذ على شركة “Wiz”، وهي شركة متخصصة في الأمن السيبراني بقيمة 23 مليار دولار.

بعد ذلك، حدثت العديد من الأحداث في العديد من الشركات وصناديق الاستثمار في تل أبيب بسبب هذه الأخبار. لماذا تل أبيب تحديدًا؟ ببساطة لأن الشركة التي أرادت غوغل الاستحواذ عليها هي شركة إسرائيلية. هذا الاستحواذ من المفترض أن يكون أكبر عملية استحواذ لغوغل على الإطلاق. كما تعلم، لم تدفع غوغل للشركة من بين عشرات الشركات التي استحوذت عليها عبر تاريخها، المبلغ الذي أرادت دفعه لهذه الشركة الإسرائيلية، والذي لا يقترب حتى من المبلغ الذي دفعته في أكبر عملية استحواذ قبل ذلك في تاريخها. وإذا نظرنا إلى تاريخ عمليات الاستحواذ لغوغل على شركات أخرى، سنجد أن أكبر عملية استحواذ قبل ذلك كانت على موتورولا موبايل في عام 2012 بقيمة 12.5 مليار دولار، وغوغل أرادت دفع مبلغ يُقارب ضعف ما دفعته في أكبر عملية استحواذ سابقة في تاريخها.

الأمر الصادم هنا هو أن هذه الشركة الإسرائيلية عمرها أربع سنوات فقط. خلال هذه السنوات الأربع، تمكنت من أن تتحول إلى هدف للعمالقة التكنولوجيين في العالم، حتى أن غوغل قدمت عرضًا للاستحواذ عليها بمبلغ ضخم. وإذا تمت هذه الصفقة، فإنها ستكون أغلى عملية استحواذ على شركة للأمن السيبراني في العالم.

لماذا أقول إنها تمت وستتم؟ ببساطة لأن الشركة الإسرائيلية فاجأت العالم في 23 يوليو ورفضت العرض الذي قدمته غوغل بمبلغ 23 مليار دولار، وأعلنت أنها ستلجأ إلى طرحها الأول في سوق الأسهم.

فما هي قصة هذه الشركة الإسرائيلية التي ترفض عرضًا بقيمة سوقية قريبة من قيمتها السوقية في غضون شهرين فقط؟ من أسسها وما علاقتها بوحدة الاستخبارات العسكرية التي يبلغ عمرها 200 عام في جيش الإسرائيلي؟ وما هي قصة صعودها من التأسيس إلى مفاوضات غوغل معها بعرض 23 مليار دولار ثم رفض العرض؟ ولماذا أرادت غوغل الاستحواذ عليها تحديدًا؟

كان هناك أربعة محترفين في مجال التكنولوجيا، أحدهم يُدعى أساف ربابورت، الثاني جين أنكوستيكا، الثالث روي ريزنيك، والرابع أميل عطاوي. انضموا إلى جيش الإسرائيلي لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وبما أنهم كانوا يتمتعون بكفاءة تقنية كبيرة، فقد التحقوا جميعًا بوحدة 800-2، وهناك التقوا ببعضهم. وحدة 800-2 في جيش الإسرائيلي ، كما قد لا تعرف، هي وحدة استخباراتية خاصة، تعني أنها اختيار الجنود الإسرائيليين الذين لديهم مهارات تقنية عالية. على سبيل المثال، كان أساف ربابورت متميزًا في الرياضيات والفيزياء، وقبل أن يدخل وحدة 800، خدم كأول في برنامج تل بيوت الشهير، وهو برنامج قيادي يتم فيه تدريب عدد قليل من المتدربين في جميع فروع وأذرع جيش الإسرائيلي.

المهم هو أن الأربعة خرجوا بعد أن أنهوا خدمتهم العسكرية من وحدات التكنولوجيا في جيش الإسرائيلي، سواء وحدة 800 أو 81، وبعد عامين أو شيء ما، قرروا تأسيس شركة معًا. في عام 2012، أسسوا شركة متخصصة في الأمن السيبراني تُسمى “أدالوم”. بعد ثلاث سنوات فقط، وتحديدًا في عام 2015، استحوذت شركة مايكروسوفت على شركة أدالوم بمبلغ 320 مليون دولار. ربح كل من المؤسسين 25 مليون دولار من هذه الصفقة. تم نقل الشركة إلى نيويورك في الولايات المتحدة، لكن المؤسسين ظلوا يعملون في مايكروسوفت إسرائيل في الأبحاث والتطوير في تل أبيب. أدالوم أصبحت أساس الأمن السيبراني في مايكروسوفت.

الأمن السيبراني بشكل عام هو ببساطة حماية البيانات والأجهزة من التهديدات السيبرانية التي تحدث دائمًا للوصول إلى البيانات غير المسجلة أو المسروقة، ولذلك فإن الأمن السيبراني له تخصصات مختلفة يركز كل تخصص على حماية جانب معين في هذا النظام الرقمي، وهذه النقطة مهمة لأننا سنحتاج إليها لاحقًا. المهم هو أن ربابورت وأصدقائه ظلوا نشطين في مايكروسوفت حتى أوائل عام 2020 عندما بدأت جائحة كوفيد-19 تتسبب في عمليات الإغلاق العالمية. كان أساف حينها قد تم تعيينه في الإدارة العامة للأبحاث والتطوير في مايكروسوفت إسرائيل. في فبراير 2020، قرر الاستقالة من عمله في مايكروسوفت بعد خمس سنوات من عمله في الشركة التي استحوذت عليها في عام 2015. جمع فريقه القديم مرة أخرى وفكر في بناء شيء أكبر لم يعرفوا بالضبط ما هو. حصلوا على التمويل الأول من صناديق سكوريتاس كابيتال، سيكويا وكايبرستارتس.

لذا بدأوا في تجربة بعض الأفكار من المدفوعات الإلكترونية إلى أمان الشبكات. وخلال حديثهم مع العشرات من العملاء المحتملين، وخاصة حديثهم مع ضباط الأمان المعلوماتي، لتحديد أفضل الخيارات التي يمكنهم الوصول إليها، جذبهم مرة أخرى الأمان السيبراني، وتحديدًا الأمان السحابي أو الأمن السيبراني المتخصص في حماية أي شيء يتعلق بالسحاب. قرروا في مارس 2020 تأسيس شركة في تل أبيب تُسمى “Wiz”. وكان هذا التوقيت في بداية جائحة كورونا كما تعلمون. لذا كانت الشركة مستعدة للاستفادة من اتجاه الشركات والمؤسسات نحو العمل عن بُعد وتحويله إلى بيئات سحابية بدلاً من الأجهزة المكتبية. وحتى قبل كوفيد-19، كانت جميع الشركات الكبيرة قد بدأت في تخزين بياناتها على السحاب. وسنتحدث لاحقًا قليلاً عن حجم هذا السوق الهائل. كل ذلك بسبب المخاطر الأمنية العالية، بالطبع. وهنا كانت فرصة “Wiz”. نعم، أعني، ماذا تفعل “Wiz” بالضبط؟ باختصار وببساطة، تؤمن البنية التحتية السحابية للشركات من خلال توفير أدوات الأمان والأجهزة المراقبة المتخصصة لها. تعمل في جميع البيئات السحابية بطريقة واحدة، وبالتالي تمكن الشركات من اكتشاف المخاطر الخطيرة ومعالجتها بسرعة. عميل مثل BMW، على سبيل المثال، يخزن بياناته ويعمل على السحاب. لم تعد الشركات تعمل بالدارات القديمة، لذا هنا يحتاج BMW إلى حماية بياناته وعمله من السرقة والاختراق، لذلك يتوجه إلى حزام الأمان من “Wiz” ويشارك فيه. وهكذا. وقد أظهرت أهمية عمل “Wiz” أكثر مع ظهور ثورة الذكاء الصناعي، وتحديدًا المنافسة بين الشركات لاعتماد أدوات الذكاء الصناعي مثل “شات جي بي تي” من OpenAI. لأن الشركات أصبحت مجبرة على تدريب نماذجها، وتحميل وتخزين كميات كبيرة من بيانات السحاب. وهنا يأتي دور “Wiz” في حماية بيانات هذه الشركات. لذا، تقوم الشركة بفحص جميع الشركات التي تخزن بياناتها على السحاب وتحديد المخاطر ومعالجتها. منذ تأسيسها في مارس 2020، أطلقت الشركة الصاروخ. تضاعف حجم سوقها بشكل كبير. بعد 18 شهرًا فقط من تأسيسها، وصلت قيمتها السوقية إلى 1.7 مليار دولار، وبلغت إيراداتها السنوية 100 مليون دولار. لتصبح أسرع شركة نموًا في مجال الأمن السيبراني في العالم في الوقت الحالي. كما فازت بأعلى صناديق الاستثمار للاستثمار فيها، حيث كان أغنى شخص في العالم في ذلك الوقت، برنارد أرنو، من خلال شركته “Aglaia Ventures”. وانضم إليها شركات رأس المال الاستثماري الكبيرة الأخرى مثل “Blackstone” و”Salesforce

“. في عام 2022، قررت “Wiz” جمع 300 مليون دولار من جولتها التمويلية، التي شهدت مضاعفة قيمتها السوقية إلى 10 مليارات دولار، ثم اختارت إعلان ظهورها كقوة صناعية مؤثرة في العالم.

وننتقل الآن إلى العام 2023. ذكرت التقارير أن “Wiz” نجحت في تحقيق إيرادات بلغت 275 مليون دولار، وهي تعتزم الوصول إلى مليار دولار في 2024. نجحت في الحصول على عملاء كبار مثل IBM، “SAP”، “Accenture” وشركات أخرى عملاقة. لكن الدراما الكبرى بدأت في 14 يوليو 2024. بعدما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن “أملكا تكنولوجي” تابعة لجوجل تجري محادثات للاستحواذ على “Wiz” بمبلغ 23 مليار دولار. والصفقة كانت تعني أكبر استحواذ لجوجل في تاريخها. وما جعل هذه الصفقة مثيرة للدهشة أن سعر العرض الذي قدمته غوغل يعادل ضعف أكبر مبلغ دفعته غوغل في أكبر استحواذاتها السابقة.

ومع ذلك، حتى الآن، لا يوجد إعلانات رسمية من كلا الطرفين حول إتمام الصفقة. في 23 يوليو 2024، أعلنت “Wiz” عن رفضها العرض المقدم من غوغل، وقررت اللجوء إلى طرحها الأول في سوق الأسهم في الربع الرابع من عام 2024. وذكرت “Wiz” أنها تتطلع إلى جمع مليار دولار في طرحها الأول، وأنها ستظل قائمة على النمو وتوسيع قاعدة عملائها.

ما الذي حدث هنا؟ ولماذا تصرفت “Wiz” على هذا النحو؟ في النهاية، تبين أن العرض الذي قدمته غوغل لم يكن كافياً لجذب انتباه “Wiz”. تتضمن خطة “Wiz” طرح الأسهم لتكون في صدارة سوق الأمن السيبراني، وتوسيع نطاقها وتقديم منتجاتها لأكبر عدد ممكن من العملاء، مع الحفاظ على استقلاليتها ونموها بشكل سريع. وبالتالي، فإن “Wiz” ستظل لاعبًا رئيسيًا في سوق الأمان السيبراني العالمي، وقد تقيم عروضًا مستقبلية أكبر من قبل الشركات الكبيرة في مجال التكنولوجيا.

من الواضح أن “Wiz” قد حصلت على تقييم كبير، وأصبحت قادرة على الطرح الأولي في السوق المالي، وتبقى مسألة نجاحها في السوق المالي تحديًا كبيرًا. للأسف، لم يتضح السبب الدقيق الذي جعل الشركة ترفض العرض، ولكن العديد من المصادر تشير إلى أن الشركة تسعى لتحقيق مزيد من النجاح والتوسع في السوق بدلاً من قبول عرض الاستحواذ…..

مي محمد ✍️✍️✍️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *