
لم تجد أوروبا المحترقة تحت وطأة موجة حر قياسية غير مسبوقة من يمد إليها يد العون سوى الصين، التي سارعت مصانعها إلى ملء الفراغ الذي عجزت عنه القارة العجوز نفسها، فيما رصدت صحيفة واشنطن بوست كيف تحولت المكيفات الصينية إلى شريان نجاة لملايين الأوروبيين، بينما احتفى الإعلام الصيني بما وصفه بـ”انتصار صناعي” يعيد تشكيل صورة المنتج الصيني في العالم.
أرقام صادمة وأسواق نافدة
كشفت بيانات الجمارك الصينية، التي أوردتها واشنطن بوست، أن صادرات مكيفات الهواء إلى فرنسا وبريطانيا وهولندا قفزت بأكثر من 55% على أساس سنوي في مايو وحده، وهو الشهر الذي شهدت فيه درجات الحرارة في هذه الدول أرقامًا قياسية تجاوزت حدود الاحتمال.
وقد تصدرت العلامات التجارية الكبرى، مثل ميديا، وهاير، وجري، المشهد، مستفيدةً من إخفاق المنافسين الأوروبيين في تلبية طلب متصاعد بهذه السرعة، في ظل تقديرات تشير إلى أن نحو أربعة أخماس الأسر الأوروبية تخلو أصلًا من أجهزة التكييف.
الجهاز الذي أشعل الأسواق
كان النجم الأبرز في هذه الطفرة جهاز “PortaSplit” المحمول من إنتاج ميديا، الذي صُمم خصيصًا للتحايل على اللوائح الأوروبية التي تحظر بعض التعديلات الإنشائية الدائمة في المباني، إذ نفدت الوحدة من الأسواق بوتيرة فاجأت حتى الشركة المصنعة، حتى إن مستهلكين يائسين أنشأوا مواقع إلكترونية خاصة لمراقبة عودتها إلى الرفوف لحظة بلحظة.
وبحسب ما نقلته وكالة شينخوا الصينية الرسمية عن مدير المبيعات الإقليمي لشركة ميديا، تخطت مبيعات الجهاز 200 ألف وحدة في أوروبا خلال العام الجاري، أي ضعف ما سُجل في العام السابق.
ولم تقتصر الطفرة على المكيفات، إذ شهدت أجهزة صنع الثلج والمراوح المنزلية والمحمولة إقبالًا مماثلًا، ونقلت صحيفة بيجينج نيوز الحكومية عن أحد التجار أن مصانعه باتت تعمل على مدار الساعة لتلبية الطلب الأوروبي، دون أن تتمكن من اللحاق به.
بكين تحتفل والمحللون يحذرون
سارع الإعلام الصيني إلى تصوير هذا النجاح باعتباره شاهدًا على التقدم الصناعي لبكين، إذ احتفت المنابر الرسمية بالمبيعات المنتزعة من الأسواق الأوروبية بوصفها “ابتكارًا للأسواق الخارجية” يساعد الصين على التخلص من سمعة المنتج الرخيص والرديء.
وذهب بعض المعلقين الصينيين إلى مقارنة ساخرة بالأوضاع المحلية، مشيرين إلى أن الصين تمتلك من وحدات التكييف ما يفوق عدد أسرها، وفق إحصاءات رسمية لعام 2024، بل إن الدبلوماسيين الصينيين تداولوا مقاطع مصورة تُظهر مصنع ميديا الآلي، وهو ينتج وحدة تكييف كاملة في ست ثوانٍ فحسب.
في المقابل، حرص المسؤولون على تخفيف الحساسية الجيوسياسية لهذا الملف، إذ أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، ماو نينج، أن التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي “تحركه قوى السوق ويشكله التكامل الاقتصادي”، فيما رأى دينج تشون، من جامعة فودان، أن التجارة في جوهرها “تلبية لاحتياجات الناس اليومية، وهو ما نجح المصنعون الصينيون في تحقيقه”.
غير أن تيانتشن شو، كبير محللي الشأن الصيني في وحدة الاستخبارات الاقتصادية البريطانية، أوضح لـواشنطن بوست أن المسألة لا تتعلق بالقدرة التقنية للمصنعين الأوروبيين، بل بعجزهم عن الإنتاج الضخم بتكاليف منخفضة، وهو ما يزيد من قلق بروكسل حيال الاختلال التجاري المتسع مع بكين، في ظل مخاوف من “صدمة صينية ثانية” تلقي بظلالها على القارة، بعد أن ضربت “الصدمة الصينية الأولى” الاقتصادات الغربية، ولا سيما الأمريكية والأوروبية، خلال الفترة الممتدة تقريبًا بين عامي 1990 و2010، وذلك إثر انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.
