بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في روسيا

تحتفل روسيا في 8 يوليو بعيد العائلة والحب والوفاء، المستوحى من قصة القديسين بطرس وفيفرونيا، رمزي الحب الزوجي والإخلاص الأسري.

بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في روسيا
نصب تذكاري لبطرس وفيفرونيا من موروم في قرية سولنيشنوي في مقاطعة كورورتني بمدينة بطرسبورغ

يُعد القديسان بطرس وفيفرونيا من أبرز الشخصيات التي ارتبطت في روسيا بفكرة الأسرة المثالية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن شخصية الأمير بطرس من موروم غير مؤكدة في السجلات القديمة، ويرجح عدد من المؤرخين أنه كان الأمير دافيد يوريفيتش، الذي حكم إمارة موروم بين عامي 1205 و1228.

وتروي الحكاية الشعبية المرتبطة بسيرتهما أن الأمير بطرس، وقبل وصوله إلى العرش، خاض مواجهة مع أفعى شيطانية كانت تظهر لزوجة شقيقه بولس، وتمكن من قتلها بسيف مقدس. إلا أن دم الأفعى أصابه بمرض جلدي خطير لم يستطع الأطباء ولا العلاجات المعروفة آنذاك شفاءه منه.

وبحسب الرواية، رأى بطرس في المنام أنه سيجد علاجه لدى فيفرونيا، ابنة نحّال من قرية لاسكوفو في منطقة ريازان، كانت تتمتع بالحكمة والمعرفة بخصائص الأعشاب والعلاج الشعبي. نجحت فيفرونيا في شفائه، لكنها طلبت منه الزواج بها مقابل ذلك.

في البداية تردد الأمير، إذ لم يكن مستعدا للارتباط بامرأة من عامة الشعب، لكنه عاد إليها بعدما انتكس مرضه، ووفى بوعده وتزوجها. غير أن زواجهما واجه معارضة من نبلاء موروم الذين رفضوا أن تكون امرأة من عامة الناس زوجة للأمير.

اختار بطرس حينها التخلي عن الحكم ومغادرة المدينة مع زوجته بدلا من التخلي عنها. وأدى رحيله إلى اضطرابات داخلية في موروم، حيث نشبت الخلافات بين النبلاء، ما دفع السكان لاحقا إلى دعوته للعودة. عاد الزوجان إلى المدينة وحكماها لسنوات طويلة، ليصبحا موضع احترام ومحبة سكانها.

وفي نهاية حياتهما، دخلا الرهبنة واتخذ بطرس اسم دافيد، فيما حملت فيفرونيا اسم إفروزيني. وتروي الرواية الكنسية أنهما صليا أن يتوفيا في اليوم نفسه، وهو ما حدث في الثامن من يوليو وفق التقويم الجديد. وبعد وفاتهما، نُقل جسداهما إلى تابوتين منفصلين، لكنهما وُجدا لاحقا معا، فدُفنا في تابوت واحد. وتحفظ رفاتهما اليوم في دير الثالوث الأقدس بمدينة موروم.

أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قداسة بطرس وفيفرونيا عام 1547، وبعد ذلك ألّف الكاتب إرمولاي إيراسموس “قصة بطرس وفيفرونيا من موروم”، التي أصبحت إحدى أشهر الأعمال الأدبية الروسية المرتبطة بفكرة الحب الزوجي والوفاء.

 من ذكرى محلية إلى عيد وطني

أعيد إحياء تقليد تكريم القديسين بطرس وفيفرونيا في موروم خلال تسعينيات القرن الماضي، بعد انتهاء الحقبة السوفيتية وعودة الاهتمام بالتقاليد الدينية والثقافية.

وفي مطلع الألفية الجديدة، بدأت مبادرات لتحويل يوم 8 يوليو إلى مناسبة وطنية تحتفي بقيم الأسرة والحب والوفاء. وفي عام 2008، حظيت المبادرة بدعم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والمنظمات الاجتماعية والثقافية، ووافق مجلسا الاتحاد والدوما على تأسيس عيد جديد يحمل اسم “يوم العائلة والحب والوفاء”.

ترأست اللجنة المنظمة للاحتفال سفيتلانا ميدفيديفا، رئيسة مؤسسة المبادرات الاجتماعية والثقافية، التي شاركت في وضع قواعد تنظيم المناسبة وتطوير فعالياتها.

وفي عام 2022، اعتمد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسميا عيد العائلة والحب والوفاء من خلال مرسوم رئاسي، ليصبح مناسبة وطنية، رغم أنه لا يُعد يوم عطلة رسمية.

زهرة الأقحوان رمز العيد

اختيرت زهرة الأقحوان البرية (البابونج الروسي) رمزا لعيد العائلة والحب والوفاء، باعتبارها من أكثر الزهور انتشارا في روسيا خلال فصل الصيف، وترمز إلى النقاء والإخلاص ودفء الروابط الأسرية.

ريا نوفوستي

ومن مظاهر الاحتفال أيضا تبادل بطاقات “فيفرونكي”، وهي بطاقات مزينة برسوم الزهور، وتُعد بمثابة النسخة الروسية من بطاقات عيد الحب، لكنها تركز على قيم الأسرة والاستقرار أكثر من الرومانسية الفردية.

يُمنح خلال هذه المناسبة وسام “الحب والوفاء” للأزواج الذين يمثلون نموذجا للحياة الأسرية الناجحة، وخاصة أولئك الذين حافظوا على زواج طويل الأمد وربوا أبناءهم ليكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع.

وتحمل الميدالية صورة بطرس وفيفرونيا على أحد وجهيها، وزهرة الأقحوان على الوجه الآخر. ومنذ عام 2014 أصبح بالإمكان منحها أيضا للأزواج المختلطين، عندما يكون أحد الزوجين مواطنا روسيا والآخر أجنبيا.

وتقام الاحتفالات الرئيسية في مدينة موروم، مسقط رأس تقليد العيد، حيث تنظم عروض مسرحية تستعيد مشاهد من حياة القديسين، وفعاليات ثقافية وفنية، وورشا للحرف اليدوية، إضافة إلى برامج ترفيهية للعائلات.

كما يزور الحجاج دير الثالوث الأقدس للتبرك برفات بطرس وفيفرونيا، والدعاء من أجل السعادة الزوجية والانسجام الأسري والعثور على شريك الحياة.

ويجمع عيد العائلة والحب والوفاء بين البعد الديني والتقليد الاجتماعي الحديث، إذ تحول من ذكرى مرتبطة بمدينة موروم إلى مناسبة تحتفل بها مختلف المناطق الروسية، باعتبارها احتفاء بقيم المحبة والإخلاص والروابط العائلية.