
تعد “دبلوماسية كرة الطاولة” بين الولايات المتحدة والصين واحدة من أبرز الأمثلة التاريخية على قدرة الرياضة على فتح قنوات للحوار بين الدول، بعدما أسهمت مباراة ودية عام 1971 في كسر الجمود بين البلدين ومهّدت الطريق لزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين في العام التالي، في خطوة غيّرت مسار العلاقات الدولية خلال الحرب الباردة.
لكن ما لا يعرفه كثيرون أن كوريا الشمالية حاولت استنساخ التجربة نفسها بعد سنوات، إلا أن رهاناتها اصطدمت بواقع سياسي أكثر تعقيدًا.
ففي عام 1979، استضافت بيونج يانج النسخة الخامسة والثلاثين من بطولة العالم لكرة الطاولة (اللعبة المعروفة شعبيا باسم بينج بونج)، وهي أول حدث رياضي دولي كبير تنظمه البلاد، بمشاركة 71 منتخبًا من مختلف أنحاء العالم. وبينما جاءت معظم الوفود من آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، كان اهتمام القيادة الكورية الشمالية منصبًا على المنتخب الأمريكي، الذي رأت في حضوره فرصة لفتح قناة اتصال مع إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
استلهام التجربة الصينية
واستلهمت بيونج يانج فكرتها من النجاح الذي حققته الصين قبل ثماني سنوات، عندما أدى لقاء (مصادفة) بين لاعب أمريكي والمنتخب الصيني خلال بطولة العالم في اليابان عام 1971 إلى دعوة الفريق الأمريكي لزيارة بكين.
وتحولت تلك الزيارة الرياضية إلى نقطة انطلاق لواحدة من أهم التحولات الدبلوماسية في القرن العشرين، إذ زار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الصين عام 1972، قبل أن يقيم البلدان علاقات دبلوماسية كاملة عام 1979.
وأملت كوريا الشمالية أن تحقق بطولة بيونج يانج النتيجة نفسها، وأن تصبح كرة الطاولة جسرًا يقود إلى مفاوضات سلام مع واشنطن.
رهان “كيم”
وشهدت سبعينيات القرن الماضي تحولًا نسبيًا في موقف كوريا الشمالية تجاه الولايات المتحدة، بعدما سعى الزعيم كيم إيل سونج إلى تحقيق هدفين رئيسيين توقيع معاهدة سلام مع واشنطن، وإعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية.
كان وجود أكثر من 40 ألف جندي أمريكي في كوريا الجنوبية يمثل العقبة الأكبر أمام هذا المشروع، ما دفع بيونج يانج إلى البحث عن حوار مباشر مع الولايات المتحدة، بعيدًا عن إشراك سول.
وجاءت الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1976 لتعزز آمال القيادة الكورية الشمالية، بعدما تعهّد المرشح الديمقراطي جيمي كارتر خلال حملته الانتخابية بسحب القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية.
وحاول كيم إيل سونج إيصال رسائل مباشرة إلى كارتر عبر عدد من القادة والوسطاء الدوليين، من بينهم رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو، ورؤساء الجابون ويوجوسلافيا ورومانيا، إلا أن هذه الجهود لم تؤد إلى فتح حوار رسمي.
أمل دبلوماسي
بعد أن سمحت إدارة كارتر للمواطنين الأمريكيين بزيارة كوريا الشمالية عام 1977، حصلت بيونج يانج على حق استضافة بطولة العالم لكرة الطاولة لعام 1979، وهو ما فتح الباب أمام مشاركة المنتخب الأمريكي.
ووصل الوفد الأمريكي إلى العاصمة الكورية الشمالية في أبريل 1979، وضم عشرة لاعبين، إضافة إلى المدربين والمرافقين والمترجمين وعدد من الصحفيين، ليصبح أكبر وفد أمريكي يدخل كوريا الشمالية طواعية منذ انتهاء الحرب الكورية.
ورغم أن الأداء الرياضي للفريق الأمريكي كان متواضعًا، فإن الرهان الحقيقي كان سياسيًا أكثر منه رياضيًا.
خيبة أمل كورية
كانت السلطات الكورية الشمالية تتوقع أن يضم الوفد الأمريكي شخصية رسمية أو مبعوثًا يحمل صلاحيات لبدء قناة اتصال غير معلنة مع إدارة كارتر.
إلا أن واشنطن لم تكن مستعدة آنذاك للدخول في مفاوضات مباشرة مع بيونج يانج من دون إشراك كوريا الجنوبية، ولذلك رفض البيت الأبيض إرسال أي ممثل رسمي.
وعندما أدرك المسؤولون الكوريون الشماليون هذا الموقف، لجأوا إلى منح صحفيين أمريكيين مقابلات مطولة مع مسؤول السياسة الخارجية كيم يونج نام، على أمل أن تصل رسائلهم إلى الرئيس الأمريكي.
لكن لا توجد أدلة على أن هذه الرسائل أثرت في موقف كارتر، الذي واصل سياسة الابتعاد عن بيونج يانج، بل زار كوريا الجنوبية بعد شهر واحد من البطولة وأعلن لاحقًا تعليق خطته لسحب القوات الأمريكية من هناك.
نهاية المحاولة
وأدى فشل “دبلوماسية كرة الطاولة” إلى تغيير حسابات كوريا الشمالية، التي اتجهت بعدها إلى فتح قنوات حوار مباشرة مع كوريا الجنوبية، بدلًا من التركيز على واشنطن.
ومع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، تراجعت فرص التقارب الأمريكي الكوري الشمالي بصورة شبه كاملة، في ظل انشغال الولايات المتحدة بأزمة الرهائن في إيران، وارتفاع أسعار الطاقة، ثم وصول رونالد ريجان إلى البيت الأبيض بعد هزيمة كارتر في انتخابات عام 1980.
ولم تعد فكرة عقد قمة مباشرة بين رئيس أمريكي وزعيم كوري شمالي ممكنة إلا بعد نحو أربعة عقود، مع وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة وبدء سلسلة من اللقاءات التاريخية مع الزعيم كيم جونج أون.
وفي عام 1994، تمكن كيم إيل سونج أخيرًا من التواصل المباشر مع جيمي كارتر، ولكن بعد انتهاء ولايته الرئاسية، عندما زار الرئيس الأمريكي الأسبق بيونج يانج بصفته الشخصية وأسهم في تخفيف حدة التوتر بين البلدين.
