واصل الين الياباني تراجعه الحاد أمام الدولار الأمريكي، مسجلًا أدنى مستوى له منذ نحو أربعة عقود، في ظل اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة، وارتفاع أسعار النفط، ما دفع الحكومة اليابانية إلى التعهد باتخاذ “إجراءات مناسبة في أي وقت” لدعم العملة.

وانخفض الين خلال تعاملات أمس الثلاثاء إلى ما دون مستوى 162 ينًا مقابل الدولار، وهو أضعف مستوى له منذ عام 1986، مقارنة بذروته التي بلغت نحو 75 ينًا للدولار في عام 2011.

فجوة الفائدة

ويعزو محللون التراجع المستمر في قيمة الين إلى الفارق الكبير في أسعار الفائدة بين بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

ورغم أن بنك اليابان بدأ في عام 2024 رفع أسعار الفائدة فوق الصفر للمرة الأولى منذ سنوات، ثم رفعها مجددًا في 16 يونيو إلى أعلى مستوى لها منذ 31 عامًا، فإنها لا تزال أقل بكثير من مستويات الفائدة في الاقتصادات الكبرى.

وأدى هذا الفارق إلى زيادة إقبال المستثمرين على الاقتراض بالين منخفض التكلفة واستثمار الأموال في أصول أجنبية تحقق عوائد أعلى، ما تسبب في خروج رؤوس الأموال من اليابان وزيادة الضغوط على العملة المحلية.

ويتوقع خبراء أن يواصل بنك اليابان رفع أسعار الفائدة خلال العام الجاري، إلا أن التوقعات تشير أيضًا إلى استمرار تشديد السياسة النقدية الأمريكية، الأمر الذي سيُبقي الفجوة بين البلدين قائمة.

وقال أكسل رودولف، كبير محللي الأسواق لدى شركة IG، إن توقعات ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية عززت الطلب على الأصول المقومة بالدولار، ما زاد الضغوط على العملات الأخرى، ومن بينها الين.

في المقابل، قد تواجه أي زيادات إضافية في أسعار الفائدة اليابانية معارضة من حكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، التي تسعى إلى تجنب إبطاء النمو الاقتصادي عبر رفع تكاليف الاقتراض.

ارتفاع أسعار النفط

وتفاقمت أزمة الين مع ارتفاع أسعار النفط، إذ تعتمد اليابان، رابع أكبر اقتصاد في العالم، بشكل كبير على واردات الطاقة، وكان نحو 95% من وارداتها النفطية يأتي من الشرق الأوسط قبل اندلاع أحدث موجة من التوترات في المنطقة.

ونظرًا إلى أن النفط يُسعَّر بالدولار، فإن ارتفاع أسعاره يعني أن اليابان تحتاج إلى إنفاق المزيد من الين لشراء الخام، ما يضعف الطلب على العملة اليابانية.

وازدادت الضغوط بعد ارتفاع أسعار النفط عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، إلى جانب القيود التي فرضتها طهران على حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

أعباء على المستهلكين

ورغم سلبيات تراجع العملة، فإن انخفاض قيمة الين يمنح الصادرات اليابانية ميزة تنافسية، إذ تصبح السلع اليابانية أقل تكلفة في الأسواق العالمية، وهو ما سبق أن انتقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

كما ساهم ضعف الين في جذب مزيد من السياح الأجانب إلى اليابان، مستفيدين من انخفاض تكاليف التسوق والإقامة، رغم تصاعد شكاوى السكان المحليين من الازدحام وسلوك بعض الزوار.

في المقابل، أدى ارتفاع أسعار النفط وضعف العملة إلى زيادة تكاليف الوقود والطاقة، فضلًا عن ارتفاع أسعار السلع المستوردة، ما دفع الشركات إلى تحميل المستهلكين جزءًا من هذه التكاليف عبر رفع الأسعار.

كانت موجة التضخم، لا سيما الارتفاع الكبير في أسعار الأرز، من أبرز العوامل التي ساهمت في الإطاحة برئيسي الوزراء السابقين في اليابان.

الحكومة تلوح بالتدخل

ولمواجهة الضغوط، تواصل الحكومة اليابانية التلميح إلى استعدادها للتدخل في سوق الصرف لدعم الين، سواء عبر شراء العملة اليابانية أو بيع الدولار باستخدام احتياطياتها الضخمة من النقد الأجنبي وسندات الخزانة الأمريكية.

كانت طوكيو أنفقت نحو 11.7 تريليون ين (ما يعادل 73 مليار دولار) خلال الفترة بين أواخر أبريل وأواخر مايو لدعم عملتها، فيما يترقب المستثمرون صدور بيانات جديدة تكشف ما إذا كانت السلطات قد نفذت تدخلات إضافية خلال الأسابيع الأخيرة.

وتستخدم الحكومة اليابانية هذه الرسائل المتكررة أيضًا كوسيلة لردع المضاربين الذين يراهنون على استمرار هبوط الين، في محاولة لاحتواء التقلبات واستعادة قدر من الاستقرار في سوق العملات.