بعد سنوات طويلة من اعتباره أحد أكثر الأنهار تلوثًا في أوروبا، عاد نهر السين في العاصمة الفرنسية باريس ليستقبل السباحين مجددًا، في خطوة تعد ثمرة مشروع بيئي ضخم تجاوزت تكلفته مليار يورو، ويهدف إلى استعادة الحياة للنهر وتحسين جودة مياهه.

وبحسب شبكة “سي إن إن” الأمريكية، فإن إعادة افتتاح ثلاثة مواقع مخصصة للسباحة في النهر بالتزامن مع موجات حر غير مسبوقة تشهدها باريس، إذ سجلت المدينة في أواخر يونيو أعلى درجة حرارة في تاريخها، متجاوزة 40 مئوية، فيما تستعد لاستقبال موجة حر جديدة خلال الأيام المقبلة.

وينظر إلى عودة السباحة في السين باعتبارها أحد أبرز المؤشرات على تحسن الوضع البيئي للنهر، بعد أكثر من قرن على حظر السباحة فيه بسبب التلوث ومخاطر الصحة العامة.

مشروع إنقاذ نهر ميت

وشهد نهر السين خلال النصف الثاني من القرن العشرين تدهورًا حادًا في جودة مياهه، بعدما كانت كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي تُلقى فيه مباشرة دون معالجة.

وبحلول سبعينيات القرن الماضي، أصبح النهر يوصف بأنه “ميت بيولوجيًا”، إذ لم يبق فيه سوى ثلاثة أنواع فقط من الأسماك، نتيجة التلوث الشديد الذي دمر نظامه البيئي، وفقًا للشبكة الأمريكية.

ولمعالجة الأزمة، أطلقت السلطات الفرنسية مشروعًا واسع النطاق لتحديث شبكات الصرف الصحي ومنع تسرب المياه الملوثة إلى النهر، خاصة خلال فترات هطول الأمطار الغزيرة.

وشمل المشروع إنشاء خزان عملاق تحت الأرض بالقرب من محطة أوسترليتز، يتسع لنحو 50 ألف متر مكعب من مياه الأمطار، بما يعادل حجم 20 مسبحًا أولمبيًا، بهدف احتجاز المياه الزائدة ومنع اختلاطها بمياه الصرف قبل تصريفها إلى النهر.

ووفقًا للسلطات الفرنسية، أسهمت هذه المنظومة في خفض عدد حالات تصريف مياه الصرف غير المعالجة إلى السين من نحو 15 مرة سنويًا إلى مرتين فقط.

رقابة يومية

ورغم التحسن الكبير، لا تزال السلطات تفرض رقابة صارمة على مياه النهر قبل السماح بالسباحة، وتُجري اختبارات يومية للكشف عن مؤشرات التلوث، وفي مقدمتها بكتيريا الإشريكية القولونية، التي تعد من أبرز مؤشرات تلوث المياه بمياه الصرف الصحي.

ويعتمد فتح مواقع السباحة على نظام رايات، إذ يسمح بالسباحة عند رفع الراية الخضراء، بينما تمنع عند رفع الحمراء بسبب تراجع جودة المياه أو سوء الأحوال الجوية.

وتشير التجربة السابقة إلى أن الظروف المناخية لا تزال تؤثر على جودة المياه، إذ لم يكن يسمح بالسباحة سوى في 18 يومًا من أصل 31 خلال يوليو من العام الماضي، بعدما أدت الأمطار إلى زيادة مخاطر التلوث مؤقتًا.

واكتسب مشروع تنظيف السين زخمًا كبيرًا مع استعداد باريس لاستضافة الألعاب الأولمبية 2024، حيث خصص النهر لاستضافة منافسات السباحة في المياه المفتوحة والترايثلون، ما دفع السلطات إلى تسريع أعمال التطوير وتحسين جودة المياه.

ورغم تسجيل بعض حالات المرض بين عدد من الرياضيين بعد المنافسات، لم تثبت التحقيقات وجود علاقة مباشرة بين تلك الحالات ومياه النهر.