
شكّل افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد للدولة المصرية بالعاصمة الجديدة، تحولًا جذريًا في مفهوم الأمن القومي وإدارة الأزمات، لينقل مصر إلى عصر “الدفاع الرقمي المتكامل”، ولم يكن هذا الصرح مجرد تغيير في الجغرافيا العسكرية، بل جاء كإجراء استراتيجي حتمي لحماية “عقل الدولة” وصون مفاصلها السيادية من تهديدات غير تقليدية تتجاوز الحدود؛ وفي مقدمتها اختراقات الأمن السيبراني ومخططات الحروب الإدراكية وجيلها السادس.
وفي هذا الصدد، كشف خبراء عسكريون لـ “القاهرة الإخبارية” عن الأبعاد الأمنية والتقنية لهذا الصرح العملاق، وكيف يضمن مقر القيادة الاستراتيجية الجديد للدولة المصرية حسم المعارك المستقبلية وصناعة القرار في التوقيت المثالي، مؤكدين أن الصرح العملاق يسهم في بناء منظومة الرقمنة والتحول الرقمي تتطلب بنية تحتية تكنولوجية حديثة وفائقة القدرة
عقل الدولة
أكد اللواء عادل العمدة، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، أن الرؤية المستقبلية للدولة المصرية اقتضت تجميع المؤسسات والكيانات الحيوية في مقر موحد بالاتساق مع عملية التحول الرقمي الشامل، مستشهدًا بكلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن الدروس المستفادة من أحداث يناير 2011، وما شهدته من مناوشات واستهداف مباشر لـ”عقل الدولة” ومقارها السيادية والإعلامية والشرطية المنتشرة في ربوع القاهرة القديمة.
وأوضح اللواء عادل العمدة، في حديثه لـ “القاهرة الإخبارية”، اليوم السبت، أن محاولات السيطرة آنذاك استهدفت منشآت حيوية مثل وزارتي الدفاع والداخلية، ومجلس النواب، ومبنى ماسبيرو، ودار القضاء العالي، الأمر الذي تطلب جهدًا هائلًا للحفاظ على تماسك هذه المؤسسات والنأي بالبلاد عن مصاف الانهيار.
وأشار المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا إلى أن هذا الاستهداف الواضح فرض ضرورة التفكير في الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة للابتعاد عن التكدس، وتأمين مفاصل الدولة بشكل كامل ومتكامل.
بنية تحتية تكنولوجية حديثة
وأضاف أن منظومة الرقمنة والتحول الرقمي تتطلب بنية تحتية تكنولوجية حديثة وفائقة القدرة، وهو ما لم تعد المباني القديمة قادرة على استيعابه، ومن هنا جاء تدشين العاصمة الجديدة وتأسيس القيادة الاستراتيجية كـ “عقل ذكي” للدولة.
وتابع: “مصر حملت على عاتقها استشراف المخاطر المستقبلية ومجابهتها بفكر جديد، تدعمه شبكة مواصلات متطورة ومنظومات تأمينية شاملة لصد حروب الجيل السادس التي تستهدف إضعاف عقول الدول وتدميرها من الداخل، وهو المصير الذي عانت منه عدة دول في المنطقة حاليًا”.
وفي سياق متصل، شدد “العمدة” على أن التحديات الحديثة المتمثلة في حروب الجيل السادس ترتكز بالأساس على استهداف وتغييب العقول عبر 3 عناصر رئيسية؛ يشمل الشق الأول منها الحرب التكنولوجية الحديثة القائمة على الهجمات والحروب السيبرانية، وتوظيف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، واستخدام تقنيات الحوسبة السحابية، بينما يمثل الشق الثاني “الحرب الإدراكية” التي تسعى إلى تزييف الوعي وتفكيك الجبهات الداخلية.
قدرة وصناعة القرار
من جانبه، حلّل الخبير العسكري، العميد الدكتور طارق العكاري، في تصريحات لـ “القاهرة الإخبارية”، الأبعاد الأمنية والاستراتيجية العميقة التي يرتكز عليها مقر القيادة الاستراتيجية الجديد للدولة المصرية، مُوضحًا الأهمية البالغة لتأسيس هذا الصرح في أربع نقاط رئيسية تعزز من قدرة وصناعة القرار في مصر.
وأوضح “العكاري” أن النقطة الأولى تتمثل في “الموقع والتحصين”، مقارنًا بين المقر الجديد ومقر الوزارة القديم بمنطقة العباسية، الذي كان يقع داخل كتلة سكنية مقتظة تزيد من احتمالية التعرض لاختراقات أمنية وسيبرانية، وأكد أن المقر الجديد يقع في منطقة محصنة بالكامل عسكريًا، ومؤمنة تمامًا ضد الهجمات السيبرانية، وأعمال التشويش، والتنصت.
وأضاف الخبير العسكري أن الركيزة الثانية هي “التكامل التقني” الذي يقضي على فكرة الأنظمة والأنشطة المنفصلة ذات البنية التحتية والخوارزميات المستقلة، متيحًا دمجًا كاملاً لكافة البيانات، وتطرق في نقطته الثالثة إلى “التنسيق بين الأفرع”، لافتًا إلى أن مواجهة العدائيات الحديثة تتطلب رد فعل فوري ومباشر، وهو ما يحققه المقر الجديد بتجميع كل أفرع القوات المسلحة في مكان واحد متصل بكافة أجهزة الدولة، بعد أن كان التنسيق يستغرق وقتًا وجهدًا أطول.
وأشار إلى أن المفهوم القديم كان يركّز على الجانب العسكري بشكل أكبر، بينما يجمع المقر الحالي إدارات الأزمات المدنية، مثل قطاعات المرافق، والاتصالات، والطوارئ، والسلع الاستراتيجية مع الإدارة العسكرية تحت سقف مجمع واحد، وشدد على أن هذا الدمج الشامل يمنح متخذ القرار القدرة على استخلاص القرارات المناسبة في التوقيت المثالي، بالاعتماد على رؤية واضحة لجميع إمكانيات ومقدرات الدولة.
