
عندما سافر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مدينة ميدورا بولاية داكوتا الشمالية لافتتاح مكتبة “ثيودور روزفلت” الرئاسية، في أول رحلة له على متن طائرة بوينج 747 الرئاسية الجديدة التي تبلغ قيمتها 400 مليون دولار، والتي أهداها له أمير قطر، كان يُكشف عن أنه ربح أكثر من 2.2 مليار دولار منذ عودته إلى البيت الأبيض، وهو مكسب غير مسبوق في تاريخ الرئاسة الأمريكية.
وأثار هذا الأمر تساؤلات أكثر إثارة للقلق حول تضارب المصالح في إدارة ترامب، لأن حجم الأرباح -التي تأتي في معظمها من مشروعات العملات المشفرة- يدعو إلى مقارنات ربما بدت غريبة حتى قبل عام، عندما بدأ بعض علماء السياسة يلاحظون أوجه تشابه بين سلوك ترامب وسلوك زعماء آخرين في إفريقيا وآسيا مِمَن طالتهم الادعاءات باستغلالهم لسلطاتهم لتحقيق مكاسب شخصية.
ينقل تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” عن نيك تشيزمان، الخبير في الشؤون الإفريقية بجامعة برمنجهام، أن أسلوب ترامب في الحكم “يشبه النظام الأبوي في أجزاء من إفريقيا، حيث يعامل الحاكم الدولة كامتداد لأسرته الشخصية، إذ يرتبط ذلك بتداخل المنصب العام والثروة الخاصة”.
ويرى أن أرباح ترامب البالغة مليار دولار من العملات المشفرة والهدايا الخاصة الباهظة، مثل الطائرة الرئاسية، خير مثال على ذلك.
في المقابل، نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن يكون ترامب يستغل منصبه الرئاسي لتحقيق مكاسب شخصية، قائلة: “نفذ الرئيس سياسات جعلت جميع الأمريكيين أكثر ثراءً وازدهارًا، بما في ذلك خفض الضرائب، وإعادة توطين الصناعات التحويلية، والتفاوض على اتفاقيات تجارية أكثر عدلًا، وإنشاء حسابات ترامب للأطفال، وغير ذلك”.
ترامب وويتكوف
تم الكشف عن تداولات ترامب المربحة في الأسهم والعملات المشفرة في التقارير الدورية، وهو مستوى من الشفافية لم يسبق له مثيل لدى حكام مستبدين سيئي السمعة مثل موبوتو سيسي سيكو، كما تشير الصحيفة، التي لفتت إلى أنه خلال فترة حكمه لزائير من عام 1965 إلى 1997، امتلك يختًا في نهر الكونغو، وقصورًا في فرنسا، وعقارات فاخرة أخرى، حتى في الوقت الذي كانت فيه البنية التحتية لبلاده تنهار.
كما يُزعم أن الجنرال ساني أباتشا، الحاكم العسكري لنيجيريا من عام 1993 إلى 1998، نهب مليارات الدولارات من الدولة النيجيرية.
ومع ذلك، يرى تشيزمان الكثير من أوجه التشابه بين ترامب والأنظمة التي تراها واشنطن فاسدة، مثل عادتهم في ترقية الأفراد ذوي الصلة الشخصية بالسلطة التنفيذية إلى مناصب بارزة، حيث يمكنهم أيضًا تكديس الثروة.
في حالة إدارة ترامب، يبرز مثال ستيف ويتكوف، الصديق القديم لترامب من عالم العقارات في نيويورك، والذي يشغل منصب مبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط. وواجه ويتكوف اتهامات بتضارب محتمل في المصالح ناتج عن أعمال عائلته في المنطقة، وهي اتهامات نفاها.
ويشير المدافعون عن مكافحة الفساد إلى ما يعتبرونه القضية الأخلاقية الأكثر وضوحًا الناجمة عن الإفصاح المالي لترامب هذا الأسبوع، وهو أنه وعائلته استفادوا من مشروعات العملات المشفرة التي تتدخل إدارته في تنظيمها.
تضارب المصالح
منذ سبعينيات القرن الماضي، سعى رؤساء الولايات المتحدة إلى تجنب شبهة تضارب المصالح من خلال وضع أصولهم في صندوق استئماني مغلق يديره وصي مستقل. لكن هذه الخطوات اتُخذت طواعية.
ورفض ترامب تبني مثل هذا الترتيب، مفضلًا الاحتفاظ بملكية مصالحه التجارية، على الرغم من أنه فوض إدارة “مؤسسة ترامب” في المقام الأول إلى ابنيه إريك ودون جونيور.
وهذا ما يميزه ليس فقط عن أسلافه في البيت الأبيض، بل أيضًا عن القادة الآخرين بمن فيهم ريشي سوناك، الذي كان أغنى رئيس وزراء في بريطانيا عندما دخل داونينج ستريت في عام 2022، والذي وضع استثماراته المالية في “ترتيب إدارة أعمى” أثناء وجوده في مقر رئاسة الوزراء.
ينطبق الأمر نفسه على أندريه بابيش، الملياردير البالغ من العمر 71 عامًا والذي يشغل حاليًا ولايته الثانية كرئيس لوزراء التشيك.
ووضع بابيش، الذي يصف نفسه بأنه “ترامبي”، شركته العملاقة “أجروفيرت”، المتخصصة في الصناعات الغذائية والكيميائية، في صندوق استئماني مغلق وفقًا للقانون التشيكي، مع أن أبناءه هم المستفيدون.
ورفضت المتحدثة باسم البيت الأبيض المخاوف بشأن عدم وجود صندوق استئماني مغلق، وتنقل عنها الصحيفة البريطانية: “جميع أصول الرئيس محفوظة في حسابات تُدار بشكل كامل من قبل مؤسسات مالية مستقلة تابعة لجهات خارجية.. ولا توجد أي تضاربات في المصالح”.
