
في ضواحي مدينة توتشيجي اليابانية، تجلس عشرات النساء بزي وردي موحد وقبعات بيضاء حول طاولات طويلة، منهمكات في خياطة الأعلام والمفروشات لصالح أحد العملاء. ويخيّم الصمت والتركيز على قاعة العمل، إلا أن هؤلاء النسوة لسن عاملات عاديات، بل نزيلات يقضين أحكامًا بالسجن في أكبر سجن للنساء في اليابان.
ويضم سجن توتشيجي حاليًا 456 سجينة، إلا أنه من المقرر إغلاقه في أبريل 2028، في ظل تراجع أعداد النزيلات وارتفاع تكاليف تشغيل المنشأة، على أن يتم نقل السجينات إلى مؤسسات إصلاحية أخرى.
ورغم خصوصية السجن، فإنه يعكس التحديات التي تواجهها السجون النسائية في اليابان، بدءًا من ارتفاع أعداد السجينات الأجنبيات، مرورًا بارتفاع معدلات العودة إلى الجريمة، وصولًا إلى تزايد مشكلات الصحة النفسية بين النساء مقارنة بالسجناء الرجال.
ووفقًا لبيانات عام 2024، تضم اليابان 11 سجنًا للنساء، يبلغ متوسط عدد نزيلاتها نحو 3,637 امرأة يوميًا، مقابل نحو 36 ألف سجين من الرجال. كما ارتفعت نسبة السجناء الأجانب إلى 7.6% من إجمالي النزلاء، مقارنة بـ5.5% في عام 2015، بحسب الصحيفة اليابانية “جابان تايمز”.
ثلث النزيلات أجنبيات
ويشكّل الأجانب نحو ثلث نزيلات سجن توتشيجي، وتأتي معظمهن من الصين وفيتنام وتايلاند، وغالبًا ما يقضين أحكامًا في قضايا تتعلق بالمخدرات.
ويقول هيروتسوجو هوري، المسؤول في الإدارة العامة للسجن، إن أكبر التحديات تتمثل في صعوبة التواصل نتيجة اختلاف اللغات والثقافات، موضحًا أن السجن يوفر خدمات الترجمة بـ19 لغة عبر مترجمين وأجهزة إلكترونية.
ولا تقتصر التحديات على اللغة فقط، إذ تواجه السجينات الأجنبيات صعوبة في التأقلم مع القواعد الصارمة داخل السجون اليابانية، بما في ذلك العقوبات التأديبية مثل الحبس الانفرادي أو الجلوس لفترات طويلة بوضعية “سيزا” التقليدية، حتى عند ارتكاب مخالفات بسيطة.
ونقلت الصحيفة اليابانية عن المحامي تيبي أونو، الأمين العام لمركز حقوق السجناء، أن بعض السجينات القادمات من أوروبا أو الولايات المتحدة يعتبرن هذه الإجراءات انتهاكًا لحقوق الإنسان، إلا أنه يضطر في كثير من الأحيان إلى شرح السياق القانوني والثقافي الياباني بدلًا من تشجيعهن على رفع دعاوى قضائية.
العمل والإصلاح
وتبدأ الحياة اليومية داخل السجن في السابعة وأربعين دقيقة صباحًا، حيث تعمل السجينات في الخياطة حتى الرابعة والنصف عصرًا مع استراحة للغداء، قبل أن يُسمح لهن بمشاهدة التلفزيون أو ممارسة الهوايات داخل الزنازين حتى التاسعة مساء.
وتضم المنشأة مرافق متنوعة تشمل مكتبة تحتوي على خمسة آلاف كتاب بلغات أجنبية، وصالة رياضية، وعيادة طبية، إضافة إلى صالون لتصفيف الشعر تتدرب فيه السجينات على مهنة تمكنهن من العمل بعد الإفراج عنهن، كما يستقبل الصالون نساءً من خارج السجن مقابل رسوم رمزية.
ولسنوات طويلة، شكّل العمل جزءًا أساسيًا من تنفيذ العقوبة داخل السجون اليابانية، إلا أن تعديل قانون العقوبات عام 2025 منح السلطات مرونة أكبر، بحيث يمكن تنفيذ بعض الأحكام دون إلزام السجينات بالعمل، مع التركيز بدرجة أكبر على إعادة التأهيل.
ويصف المحامي أونو هذه التعديلات بأنها “إصلاح تاريخي” في نظام السجون الياباني، نظرًا لندرة التغييرات التي يشهدها هذا القطاع.
ويؤكد مدير سجن توتشيجي، كيوتشيكا ميوشي، أن اكتساب المهارات المهنية يمثل عنصرًا رئيسيًا في الحد من العودة إلى الجريمة بعد الإفراج، خاصة وأن نحو 47% من السجينات في اليابان دخلن السجن للمرة الثانية أو أكثر خلال عام 2024.
الصحة النفسية.. تحدٍ متزايد
وشهد السجن خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا أكبر بالصحة النفسية، حيث أنشأ “غرفة للتأمل والمراجعة الذاتية”، وهي مساحة هادئة تضم لوحات فنية ومقاعد مريحة، تُخصص لعقد جلسات حوارية تشبه العلاج النفسي ثلاث مرات أسبوعيًا بإشراف مختصين.
ويضم السجن ثلاثة أخصائيين نفسيين، في ظل اعتراف الإدارة بأن النساء السجينات يعانين من اضطرابات نفسية وإعاقات ذهنية بمعدلات تفوق الرجال.
ويقول مدير السجن إن العديد من النزيلات يعانين اضطرابات في النمو أو لم يحصلن على تعليم كافٍ، ما دفع بعضهن إلى ارتكاب جرائم سرقة نتيجة أوضاعهن الاجتماعية الصعبة بحسب “جابان تايمز”.
وأضاف أن عددًا كبيرًا منهن نشأن في بيئات مضطربة، وتعرضن للإهمال أو الحرمان منذ الطفولة، وهو ما أثر في مسار حياتهن.
ضحايا للعنف قبل أن يصبحن سجينات
وتشير الباحثة إيميكو سوزوي، عميدة كلية الدراسات العليا بجامعة أوتيماي، إلى أن نسبة كبيرة من السجينات كن ضحايا للعنف الجنسي في طفولتهن.
وتستند سوزوي إلى دراسة أجريت عام 2000 على 82 سجينة، أظهرت أن 73% منهن تعرضن لاعتداءات جنسية قبل دخول السجن.
وترى الباحثة أن أوضاع النساء داخل السجون تعكس إخفاق المجتمع في حماية الأطفال، مؤكدة أن كثيرًا من السجينات كن بحاجة إلى الرعاية والدعم منذ سنوات طويلة، قبل أن ينتهي بهن المطاف خلف القضبان.
وتختتم “سوزوي” بالقول إن السجينات لا يمثلن فقط أفرادًا خالفوا القانون، بل يجسدن أيضًا مسؤوليات مجتمعية لم تؤد، نتيجة الفشل في حماية الأطفال وتوفير بيئة آمنة لهم منذ الصغر.
