كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن الخلافات العميقة حول الموقف من إسرائيل وإيران تحولت إلى قنابل موقوتة تهدد بتفكيك الحزبين الديمقراطي والجمهوري من الداخل، لتصبح من أبرز القضايا الخلافية التي تعيد رسم ملامح معركة السيطرة على الكونجرس هذا العام، مع احتمال امتداد تأثيرها إلى السباق الرئاسي عام 2028، وسط عجز قيادات الحزبين عن احتواء قواعدهما الانتخابية المتقلبة.

نيويورك تطلق شرارة الانقسام الديمقراطي

بحسب الصحيفة الأمريكية، فإن تراجع شعبية إسرائيل بين الناخبين الديمقراطيين منذ اندلاع حرب غزة قبل نحو ثلاث سنوات بات عاملًا حاسمًا، تجلى، الأسبوع الماضي، حين خسر نائبان ديمقراطيان في الكونجرس عن نيويورك أمام منافسَين اشتراكيين اتهماهما بالتساهل مع الحليف الأمريكي، وذلك بدعم من العمدة زهران ممداني.

ووصف الرئيس ترامب الفائزين بأنهما “شيوعيان”، في محاولة لتصوير الحزب الديمقراطي بأكمله على أنه وقع أسير اليسار المتطرف، إلا أن هايلي سويفر، الرئيسة التنفيذية للمجلس اليهودي الديمقراطي الأمريكي، فنّدت هذا الطرح للصحيفة، مؤكدة أن مرشحي نيويورك “ما كانا ليفوزا في أي مكان آخر”؛ نظرًا لخصوصية الدوائر التي ترشحا فيها أصلًا لصالح الديمقراطيين. ومع ذلك، لم يمنع هذا التقدميين من خوض المعركة في ولايات متأرجحة، مثل كولورادو وميشيجان وويسكونسن، في محاولة لكسر القناعة السائدة بأن اليسار المتشدد لا يمكنه الفوز في سباقات تنافسية.

“ذعر” ديموقراطي وانقسام حول معاداة السامية

نقلت نيويورك تايمز عن مات بينيت، أحد مؤسسي مركز “ثيرد واي” الفكري الوسطي، تحذيره من أن الحزب “لا بد أن يجد وسيلة تمنع انفجاره من الداخل”، واصفًا حالة الذعر التي اجتاحت صفوف الديمقراطيين بعد نتائج نيويورك؛ خشية نفور الناخبين اليهود والمعتدلين.

وفي السياق ذاته، اعتبر سكوت سترينجر، المراقب المالي السابق لمدينة نيويورك، أن بعض الخطاب المؤيد للفلسطينيين عند هؤلاء المرشحين يقترب من “معاداة سامية صريحة”، محذرًا من أن استخدام هذه الورقة سياسيًا سيشعل “معركة حقيقية داخل الحزب الديمقراطي”.

الاختبار الفاصل لنظرية اليسار

وأشارت الصحيفة إلى أن قادة الديمقراطيين يعلقون أهمية خاصة على الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيجان المقررة في أغسطس؛ باعتبارها معركة حاسمة لاستعادة أغلبية مجلس الشيوخ، إذ يدعم الزعيم تشاك شومر المرشحة المعتدلة هايلي ستيفنز في مواجهة الطبيب التقدمي عبد العزيز السيد.

ونقلت الصحيفة عن الباحث المتخصص في استطلاعات الرأي ريتشارد كزوبا، قوله إن قياس نتائج ميشيجان على نيويورك “خطأ فادح”، موضحًا أن تركيبة الناخبين الديمقراطيين هناك أكبر سنًا وأقل تعليمًا جامعيًا، إلى جانب نسبة سوداء تبلغ 30%، وأن قضية غزة رغم أهميتها لدى الناخبين “تأتي دائمًا في آخر سلم أولوياتهم” عند التصويت الفعلي.

في المقابل، رد السيد بأن ناخبي الولايتين يتشاركان الإحباط ذاته من ساسة “أكثر اهتمامًا بتمويل الشركات منهم بالإيجار وأسعار البقالة وتملك المنازل”، مؤكدًا أن “الناس يدركون أن أموالهم تُستخدم لقتل آخرين”، وأن كلا الحزبين عاجز عن تقديم إجابات لهذا الغضب الشعبي.

شرخ “أمريكا أولًا” يضرب معسكر ترامب

في المعسكر الجمهوري، أوضحت نيويورك تايمز أن التحول التاريخي، الذي قاده ترامب منذ 2016 نحو سياسة حمائية ومناهضة للتدخل الخارجي، اصطدم بدعمه القوي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحملته العسكرية في غزة، ثم بقرار إدارته ضرب إيران، ما جعل هذا الموقف صعب الهضم على شريحة من قواعد حركة “ماجا”.

وكشف استطلاع، أجرته الصحيفة بالاشتراك مع معهد سيينا، في مايو، أن 53% من الجمهوريين دون سن 45 عامًا يرفضون إدارة ترامب لحرب إيران، مقابل موافقة 75% من كبار السن داخل الحزب، في انعكاس لفجوة جيلية واضحة حول السياسة الخارجية.

استقالات احتجاجية وهجوم من اليمين المتشدد

وفي يوم فوز الاشتراكيين بنيويورك ذاته، أعلنت النائبة السابقة مارجوري تايلور جرين، انسحابها من الحزب الجمهوري احتجاجًا على حرب إيران، لتلحق بالإعلامي المحافظ تاكر كارلسون الذي اتخذ الموقف نفسه سابقًا.

وكان ترامب قد وصف كارلسون والمذيعة ميجان كيلي وغيرهما من الإعلاميين اليمينيين المنتقدين للحرب بأنهم “مهووسون” و”مثيرو شغب”، إلا أن ظهور نائب الرئيس جي دي فانس على بودكاست كيلي للدفاع عن اتفاق السلام الأولي مع إيران كشف أن البيت الأبيض بات يدرك خطورة هذا الانقسام.

وبحسب ما نقلته الصحيفة عن كيلي نفسها، فقد وصفت الأجواء داخل المعسكر المحافظ منذ بدء الحرب بأنها أقرب إلى “حرب أهلية”، رغم أنها أكثر تسلية من مهاجمة اليسار.

ثم انقلب الجدل مجددًا مع توصل الإدارة لاتفاق أولي مع طهران، إذ هاجم الإعلامي الجمهوري المتشدد مارك ليفين هذا التقارب الدبلوماسي، ووصفه بأنه “أحد أكثر الانقلابات صدمة في التاريخ العسكري والدبلوماسي”، فيما خسر النائب توماس ماسي، أبرز منتقدي الحرب جمهوريًا، انتخاباته التمهيدية أمام منافس مدعوم من جهات مؤيدة لإسرائيل، في مؤشر على أن التداعيات الانتخابية لهذا الانقسام لا تزال غير محسومة.