في مكايدة سياسية، أقرّت إسرائيل الاعتراف رسميًا بأحداث عام 1915 بوصفها “إبادة جماعية للأرمن”، وسط تصاعد التوتر مع تركيا وتبادل الاتهامات بين الجانبين، بينما أثار القرار ردود فعل سياسية ودبلوماسية واسعة داخل المنطقة وخارجها، في وقت تتردد فيه تقارير عن دراسة الولايات المتحدة بيع طائرات إف-35 ومحركات نفاثة متطورة لتركيا.

تبادل الاتهامات بالإبادة

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اجتماع مجلس الوزراء، الذي صوّت لصالح الاعتراف بأحداث عام 1915 بوصفها إبادة جماعية للأرمن، أن تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة تؤخَذ على محمل الجد، مشيرًا إلى أن إسرائيل ستلفت انتباه أصدقائها الأمريكيين إلى تلك التصريحات.

قال نتنياهو: “إن من الدروس التي تعلمها الشعب اليهودي من تاريخه أن من يعلن نيته تدميرك يجب أخذ كلامه على محمل الجد”، مؤكدًا أن إسرائيل لن تتجاهل تصريحات أردوغان، في أول اعتراف منه بأن الخطاب التركي يثير قلق إسرائيل أيضًا.

وفي الوقت نفسه، قال أردوغان، خلال فعالية لحزبه، إن إسرائيل قتلت أطفالًا رضعًا وآخرين في الحدائق والمدارس والمستشفيات، وارتكبت مجزرة بحق آلاف الأطفال، وأن ما جرى في غزة يعد إبادة جماعية، وأضاف أنه سيتم محاسبة المسؤولين عنها ولن يتم نسيانها.

وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانًا، قالت فيه “إن الاعتراف بما يوصَف بالإبادة الجماعية للأرمن قرار سياسي، يهدف إلى تبييض الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في غزة”، مضيفة أن الحكومة الإسرائيلية تحاول التستر على جرائمها من خلال قرارها المتعلق بأحداث عام 1915.

إعادة رسم قواعد التعامل

وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة فضلت عدم الاعتراف رسميًا بأحداث عام 1915 بوصفها إبادة جماعية للأرمن؛ حفاظًا على المصالح الإستراتيجية مع تركيا، قبل أن تعتمد الحكومة بالإجماع قرارًا يقضي بالاعتراف الرسمي بها لإعادة رسم قواعد التعامل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، إن الوقت حان لإسرائيل، بوصفها دولة يهودية، لإضفاء الطابع الرسمي على هذا الموقف، مؤكدًا أن الاعتراف يمثل التزامًا أخلاقيًا وتاريخيًا، وأنه لا يوجد سبب وجيه للاستمرار في الامتناع عنه.

وأضاف “ساعر” أن القرار ليس عملًا انتقاميًا، لكنه أشار إلى أن توقيت القرار يحمل أهمية كبيرة في السياسة الدولية، خاصة بعدما قطعت تركيا العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، وعلّقت الرحلات الجوية، وأطلقت تهديدات، ودعمت حماس، وقادت حملة دبلوماسية ضد إسرائيل.

وحولت إسرائيل المواقف غير الرسمية إلى سياسة حكومية، بعدما سبق لنتنياهو أن أقرّ في مقابلة مع بودكاست أمريكي باعترافه الشخصي بالإبادة الأرمنية، كما استخدم يسرائيل كاتس سابقًا مصطلح “المحرقة الأرمنية”.

وعززت الولايات المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، تقاربها مع أرمينيا، بينما عكست زيارة نائب الرئيس جيه دي فانس إلى النصب التذكاري لضحايا الإبادة الأرمنية تنامي الاهتمام الأمريكي بالقضية، رغم حذف المنشور المتعلق بالزيارة لاحقًا.

رسالة إلى أردوغان

ورغم أن أرمينيا وعددًا من الدول والباحثين يصنفون أحداث عام 1915 على أنها “إبادة جماعية”، فإن تركيا ترفض هذا الوصف، وتؤكد أن ما جرى وقع في سياق الحرب العالمية الأولى، وشمل خسائر من مختلف الأطراف.

وذكرت “يديعوت أحرونوت” أن قرار الحكومة الإسرائيلية يمثل دبلوماسيًا انتقالًا من الدفاع إلى الهجوم، ويحمل رسالة غير مباشرة إلى أردوغان بأن من يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم دولية لا يمكنه توقع حصانة دبلوماسية من ماضي بلاده.

ويُعد قرار إسرائيل الاعتراف بأحداث عام 1915 على أنها إبادة جماعية للأرمن، من أكثر الملفات حساسية التي تتعلق بأذربيجان، الحليف الإستراتيجي لإسرائيل، والتي لا تعترف بتلك الأحداث كإبادة جماعية، وتتبنى موقفًا قريبًا من موقف تركيا.

أصدرت الحكومة الأذربيجانية، اليوم الاثنين، بيانًا شديد اللهجة، أدانت فيه قرار الحكومة الإسرائيلية بما تصفه بـ”بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن”، معربةً عن “قلقها البالغ” إزاء هذه الخطوة.

وذكر بيان وزارة الخارجية الأذربيجانية أن القرار يمثل “تحريفًا للحقيقة”، فيما يتعلق بأحداث عام 1915، وأن تحويل قضايا تاريخية معقدة إلى مسألة سياسية، دون أساس قانوني أو علمي، أمر “غير مقبول”.

لذلك، بادر وزير الخارجية الإسرائيلي إلى الاتصال بنظيره في باكو قبل اجتماع الحكومة، مؤكدًا أن العلاقات العميقة بين الجانبين أقوى من أي منعطف تاريخي، بينما بدت ردود الفعل في أرمينيا فاترة؛ بسبب استمرار تزويد إسرائيل لأذربيجان بالأسلحة.