
رغم أن تفاصيل الاتفاق الموقع بين لبنان وإسرائيل لا تزال مثار جدل في بيروت، فإن المبادئ التي أعلن الطرفان التوافق عليها تكشف ملامح مرحلة جديدة تقوم على ترتيبات أمنية وسياسية مشروطة، ليظل التنفيذ مرتبطًا بتفاهمات لم تُستَكمَل بعد ما يجعل المضي نحو اتفاق بعيدًا عن السلام الكامل.
اتفاق مبدئي
لم تُعلن بعد تفاصيل الاتفاقية الموقعة، مساء الجمعة، بين لبنان وإسرائيل في وزارة الخارجية الأمريكية، إلا صباح السبت، إذ ينص المبدأ الأول، بحسب ما يفهم من الاتفاقية، على احترام لبنان وإسرائيل سيادة كل منهما، ويعني ذلك أنه لا يحق لأي مواطن لبناني، حتى وإن كان عضوًا في حزب الله، الاعتداء على إسرائيل أو قصفها دون إذن صريح من الحكومة اللبنانية.
أما اعتراف إسرائيل بسيادة لبنان، فيعني ضمنًا أنها ستخلي المنطقة وتنسحب إلى الحدود الدولية بمجرد زوال التهديد القادم من جنوب لبنان، كما ستبدي استعدادها لمناقشة النقاط الثلاث عشرة المتنازع عليها على طول الحدود مع الحكومة اللبنانية، في خطوة لا تعني إحلال السلام أو تطبيع العلاقات، لكنها تمثل بداية لإنهاء حالة الحرب.
شروط الانسحاب
يقوم المبدأ الثاني، وهو الأكثر أهمية في هذه المرحلة، على أن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان مشروط بعدم عودة حزب الله إلى المنطقة ونزع سلاحه منها، وإذا لم تُزل أسلحة الحزب الثقيلة والخفيفة، فإن لإسرائيل حق الاستمرار في الحفاظ على الوضع الأمني الذي تتمتع به حاليًا.
وتشترط إيران انسحاب إسرائيل من لبنان لتوقيع اتفاقية مع الولايات المتحدة، وفي المقابل، تنص الاتفاقية بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، برعاية صريحة من الولايات المتحدة ووزير خارجيتها ماركو روبيو، على أن لبنان ليس من شأن إيران، وأن عليها عدم التدخل فيما لا يعنيها.
وينص المبدأ الثالث على أن انسحاب إسرائيل من المنطقة الأمنية جنوب وشرق الخط الأصفر ليس تلقائيًا، بل يرتبط بأداء الجيش اللبناني وأداء المشرف الأمريكي الذي سيتولى الإشراف على نزع سلاح الجيوب والموافقة على التنفيذ، إلى جانب الآلية العامة التي ستنشأ للإشراف على العملية بأكملها.
وبذلك، لا تكون إسرائيل ملزمة، سواء من حيث المبدأ أو التطبيق، بالانسحاب من الحيز الأمني الذي تسيطر عليه حاليًا في جنوب لبنان، إذ تبقى العملية مشروطة، وقد تشكل سابقة ونموذجًا تجريبيًا لما قد يحدث لاحقًا في غزة وربما أيضًا في سوريا.
ترحيب مصري
من جهته، رحَّب وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبدالعاطي بالاتفاق الإطاري، مؤكدًا أنه يمثل بداية مهمة للبنان.
وشدد “عبدالعاطي”، خلال اتصال هاتفي مع رئيس وزراء لبنان الدكتور نواف سلام، الجمعة، على ضرورة الانسحاب التدريجي لإسرائيل من المنطقتين اللتين لا تزالان تحت الاحتلال الإسرائيلي، بما يتيح انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
وقال متحدث وزارة الخارجية المصرية السفير تميم خلاف، في بيانٍ، إن الاتصال تناول مستجدات الأوضاع في لبنان والتطورات الأخيرة ذات الصلة، حيث أطلع رئيس الوزراء اللبناني خلال الاتصال وزير خارجية مصر على تفاصيل الاتفاق الإطاري.
كما أكد “عبدالعاطي” أهمية البناء على هذا التطور وصولًا إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، والتنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن رقم 1701.
كما جدد دعم مصر الكامل للحكومة اللبنانية وسياساتها الرامية إلى بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، بما في ذلك نشر الجيش اللبناني في جميع أنحاء البلاد، وحصر السلاح تحت سلطة الدولة، بما يعزز أمن لبنان واستقراره.
حافز اقتصادي
تتمثل إحدى أبرز مزايا الاتفاقية في تقديم الولايات المتحدة حافزًا للبنان بقيمة 130 مليون دولار، يخصص منها 100 مليون دولار للمساعدات الإنسانية، و30 مليون دولار للمساعدات العسكرية.
ويمثل هذا المبلغ قيمة كبيرة بالنسبة للبنان الذي يحتاج إلى إعادة الإعمار، رغم أن احتياجاته الفعلية تقدر بمليارات الدولارات، وبفضل هذا الحافز، أصبح لدى لبنان مصلحة اقتصادية في تنفيذ الاتفاقية، إلى جانب المصلحة السياسية والأمنية، بما يعكس كيف دفعت المعاناة الاقتصادية نحو قبول سلام غير كامل.
حبر على ورق
وشهد عام 1983 أول محاولة رسمية لإبرام اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل في 17 مايو من ذلك العام، بعد مفاوضات جرت بوساطة الولايات المتحدة، وذلك في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وقع الاتفاق كل من لبنان وإسرائيل، بينما شاركت الولايات المتحدة في رعاية المفاوضات، وكان الهدف الأساسي هو إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وإرساء ترتيبات أمنية على الحدود، وتمهيد الطريق لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وربطت الاتفاقية انسحاب إسرائيل من لبنان بتوفير ترتيبات أمنية تضمن عدم استخدام الأراضي اللبنانية في تنفيذ هجمات ضدها، وواجهت الاتفاقية معارضة داخلية واسعة في لبنان، فلم تصدق عليها الحكومة اللبنانية كما لم يصدق عليها البرلمان اللبناني، لم تصدق عليها الحكومة الإسرائيلية أيضًا، لتبقى حبرًا على ورق.
وفي المحاولة الثانية لإبرام اتفاق سلام دائم، أصدرت الأمم المتحدة في عام 2006 القرار رقم 1701، الذي أنهى حرب لبنان الثانية، لكنه بقي إلى حد كبير حبرًا على ورق.
وفي المرة الثالثة، قد يختلف الوضع هذه المرة بفضل التدخل المباشر للولايات المتحدة، لكن عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” اللبنانية النائب إيهاب حمادة وصف الاتفاق بأنه ولاء من السلطة اللبنانية لإسرائيل، مؤكدًا أنه سيبقى حبرًا على ورق، في حين جاب مناصرو حزب الله طرقات الضاحية الجنوبية ووسط بيروت احتجاجًا على الاتفاق.
