أعاد التوسع العسكري الألماني السريع طرح تساؤلات جديدة داخل أوروبا بشأن أهداف برلين الإستراتيجية، في وقت تتسارع فيه جهود القارة لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية، وسط مخاوف لدى بعض العواصم الأوروبية من أن تتحول ألمانيا إلى قوة عسكرية مهيمنة تتحرك وفقًا لأولوياتها الوطنية أكثر من التزاماتها الأوروبية المشتركة.

وأشار تقرير إلى أن ألمانيا تخلت خلال السنوات الأخيرة عن كثير من القيود، التي فرضتها على نفسها بعد الحرب العالمية الثانية، إذ رفعت الإنفاق العسكري بشكل غير مسبوق وخففت قواعد الاستدانة الحكومية، كما وضعت خطة واسعة لإعادة التسلح جعلت ميزانيتها الدفاعية تتجاوز نظيراتها في فرنسا وبريطانيا، إلى جانب تخصيص 35 مليار يورو للاستثمارات العسكرية الفضائية، بحسب صحيفة فايننشال تايمز.

تحول إستراتيجي

أوضح التقرير أن النقاش الأوروبي لم يعد يتركز على قدرة ألمانيا على خوض الحروب أو تحمل أعباء الدفاع، بل بات يدور حول “ما إذا كانت برلين تعيد تسليح أوروبا أم تعيد تسليح نفسها فقط؟”، خاصة بعد نشر أول إستراتيجية عسكرية شاملة في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية، أبريل الماضي.

وأكدت الإستراتيجية الجديدة أن الدفاع الأوروبي يجب أن يستند إلى قوة وطنية ألمانية متماسكة، كما تعهدت بتحويل الجيش الألماني إلى “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”، هدف يكرره المستشار الألماني فريدريش ميرز صورة منتظمة.

وفي الوقت نفسه، رحبت دول شمال وشرق أوروبا، خصوصًا دول البلطيق والدول الإسكندنافية، بهذا التحول العسكري الألماني، معتبرة أنه جاء متأخرًا في ظل التهديدات الروسية المستمرة، إلا أن بعض الحكومات الأوروبية طالبت برلين بتوضيح الدور الأوروبي الذي سيلعبه هذا الجيش المتنامي.

قلق أوروبي

أبدت بولندا وفرنسا بصورة خاصة قلقًا متزايدًا من التوجهات الألمانية الجديدة، إذ لا تزال وارسو تحتفظ بخلافات تاريخية مع ألمانيا تعود إلى الحرب العالمية الثانية، كما تسعى بدورها إلى تعزيز قدراتها العسكرية مع تخصيص 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي.

ولفت التقرير إلى أن فرنسا تنظر إلى الطموحات العسكرية الألمانية باعتبارها تحديًا مباشرًا لمكانتها التقليدية كأكبر قوة عسكرية داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل الضغوط المالية، التي تحد من قدرة باريس على زيادة الإنفاق الدفاعي بالمعدلات نفسها.

وحذّر رئيس أركان القوات المسلحة الفرنسية الجنرال فابيان ماندون، من أن استمرار ألمانيا بهذا الإيقاع قد يؤدي خلال خمس سنوات، إلى تآكل الميزة الفرنسية القائمة على الخبرة العملياتية والتقاليد العسكرية المتراكمة.

خلاف صناعي

عمّق قرار ألمانيا الانسحاب من مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة “إف سي إيه إس” المخاوف الفرنسية من توجه برلين نحو العمل بشكل منفرد، كما أثار تساؤلات بشأن مستقبل مشروعات دفاعية مشتركة أخرى، من بينها مشروع دبابة الجيل الجديد.

وأوضح التقرير أن الخلاف بين الجانبين يعكس اختلافًا جوهريًا في النظرة إلى القوة العسكرية، إذ تعتبر فرنسا المشروع أداة إستراتيجية لتعزيز الاستقلال الأوروبي عن الولايات المتحدة، بينما تعاملت معه ألمانيا باعتباره مشروعًا صناعيًا غير مجدٍ اقتصاديًا.

وركزت الاستثمارات الدفاعية الألمانية الجديدة بصورة كبيرة على دعم القاعدة الصناعية المحلية، بما في ذلك منح قطاع صناعة السيارات فرصًا جديدة بعد تراجع قدرته التنافسية أمام الشركات الصينية، خلال السنوات الأخيرة.

أولويات جديدة

أشار التقرير إلى أن التحولات الألمانية جاءت نتيجة سلسلة من الصدمات الإستراتيجية، التي تعرضت لها البلاد خلال الأعوام الخمسة الماضية، بدءًا من فقدان إمدادات الغاز الروسي عقب الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بتراجع السوق الصينية كمحرك رئيسي للصادرات الألمانية، وصولًا إلى تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأول لأمن أوروبا.

وأضاف أن بعض المسؤولين الأوروبيين يرون أن أولويات برلين الجديدة تقوم على بناء قوة دفاعية وطنية كبيرة، ثم تعزيز موقعها كشريك عسكري رئيسي لواشنطن داخل أوروبا، بينما تأتي فكرة “السيادة الأوروبية” في مرتبة لاحقة.

وسرعان ما دفع هذا التحول شخصيات سياسية ألمانية إلى الدعوة لمزيد من التنسيق مع الشركاء الأوروبيين، إذ حذّرت قيادات سياسية من أن أي مسار ألماني جديد يجب ألا يعيد إنتاج سياسة “التحرك منفردًا”، مؤكدة أن أوروبا تحتاج إلى وضوح أكبر بشأن الدور الذي تنوي برلين لعبه في مستقبل الأمن والدفاع الأوروبيين.