من سيحكم فرنسا؟.. سباق 2027 بين اليسار الغاضب واليمين الصاعد

 

post-title
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

أقل من عام يفصل فرنسا عن أكثر انتخاباتها الرئاسية إثارةً منذ عقود، وسط مشهد سياسي يكشف فيه التجمع الوطني اليميني المتطرف وحركة فرنسا الأبية اليسارية المتشددة عن رقصة تنافسية غريبة، إذ يراهن كل منهما على مواجهته في جولة الحسم، وهو ما رصدته صحيفة لوموند الفرنسية، محذرة من أن هذه الثنائية المتفجرة قد تبتلع ما تبقى من الخريطة الحزبية الفرنسية.

حين يختار العدوّان بعضهما

كشفت الصحيفة الفرنسية أن التجمع الوطني لا يخفي إعجابه بالكفاءة التنظيمية لحركة فرنسا الأبية، معترفًا بأنها الحركة الوحيدة التي تحمل مشروع مجتمع مختلفًا تمامًا لمشروعه، فيما تُبادله حركة جان لوك ميلنشون الاعتراف ذاته من زاوية معاكسة، إذ تُصنفه عدوها الأول الذي يجب هزيمته في صناديق الاقتراع وعلى صعيد القيم.

وبحسب ما أوردته لوموند، فإن كلا الحزبين المتضادين “مناهضةَ المنظومة” يعتقد في قرارة نفسه أن أفضل سيناريو لتحقيق الفوز هو الوصول إلى جولة ثانية يواجه فيها الطرف الآخر وحده، إذ تُعول فرنسا الأبية على أصوات الجبهة الجمهورية التي ستتوحد ضد التطرف، فيما يراهن التجمع الوطني على تجميع جبهة عريضة مناهضة لميلنشون.

وانعكس هذا الاستقطاب المتعمد على خطاب الحركة اليسارية التي أطلقت حملتها تحت شعار “فرنسا الجديدة”، وهو مفهوم يستحضر لهوية البلاد ردًا مباشرًا على الخطاب المعادي للهجرة الذي يُرسخه التجمع الوطني، وإن كان هذا الاختيار ينطوي على خطورة اللعب في ملعب الخصم والانزلاق نحو أجندته.

برنامجان على حافة الجمهورية

غير أن لوموند لا تكتفي بتشريح المعادلة الانتخابية، بل تذهب أبعد من ذلك لتضع البرنامجين معًا تحت المجهر، فعلى الجهة اليمينية، كان المجلس الدستوري الفرنسي قد أكد عام 2024 أن مبدأ “الأفضلية الوطنية”، العمود الفقري لبرنامج التجمع الوطني، يتعارض صراحةً مع مبادئ الجمهورية.

وجاءت أولى خطوات رؤساء البلديات المنتخبين من الحزب في مارس الماضي لتؤكد أن الحزب لا يزال راسخًا في بيئة التطرف اليميني، بعيدًا عن خطاب التطبيع الذي يُحاول تسويقه.

وعلى الجهة المقابلة، تُلقي الصحيفة ظلالًا قاتمة على فرنسا الأبية بسبب تصريحات ميلنشون ذات النفحة المعادية للسامية، فضلًا عن نزعات استبدادية مقلقة تجاه الصحافة وداخل هيكلها التنظيمي.

ويجمع الحزبين أيضًا، وفق التحليل ذاته، موقفٌ جيوسياسي ملتبس يتجلى في غموض مريب حيال الأنظمة الاستبدادية، وفي مقدمتها روسيا.

فوضى تصنع الكماشة

لا يتحمل الطرفان المتشددان وحدهما مسؤولية هذا الاستقطاب، إذ تُشير لوموند إلى أن تشرذم بقية الأحزاب يُغذيه ويُعمقه، إذ إن كتلة الوسط تعيش انقسامًا حادًا بين جابرييل أتال من حركة النهضة وإدوار فيليب من تيار الآفاق، وهو انقسام يرتكز على خصومات شخصية أكثر منه على خلافات برامجية حقيقية، في ظل تقارب واضح بين مشروعَيهما.

وإذا تمسك الاثنان بترشحهما حتى النهاية، فإنهما يُخاطران بتشتيت أصوات الوسط وإقصاء أنفسهما معًا من الجولة الحاسمة.

والمشهد في صفوف اليسار الاشتراكي والبيئي لا يقل إرباكًا، ففيما حشد ميلنشون الآلاف في تجمعه اليساري الكبير بمدينة سان دوني في السابع من يونيو الجاري، تغرق الأحزاب الاشتراكية والخضر في جدل عقيم حول آليات الترشيح بين انتخابات تمهيدية واحدة أو متعددة أو إلغائها كليًا، ويتكاثر المرشحون دون أن يقدموا للناخبين مشاريع سياسية واضحة المعالم.

وتختم لوموند تحليلها بخلاصة مقتضبة وصارمة، بتأكيدها أنه إذا ما لم تستفق هذه الأحزاب على حجم الخطر الذي تواجهه، فهي ماضية بأقدامها نحو فخ نصبته بيديها.