
بينما يخشى السياسيون ورؤساءُ صناعةِ السيارات من أن تُغرق الشركاتُ الصينية العملاقة الصاعدة أوروبا بالسيارات الكهربائية الرخيصة، حتى إن بروكسل وبكين كادتا أن تنشب بينهما حربٌ تجارية بسبب هذه المسألة العام الماضي، فإن الأوضاع تغيّرت؛ فمع عجز عمالقة صناعة السيارات الأوروبية عن بيع ما يكفي من المركبات لتشغيل خطوط التجميع الضخمة الخاصة بهم بصورةٍ مربحة، فإنهم يدعون الصينيين للدخول من الباب الأمامي.
وحسب تقريرٍ لصحيفة “ذا تليجراف” البريطانية، بدأت شركاتُ صناعة السيارات الأوروبية بيعَ مساحاتٍ في مصانعها غير المستغلة جزئيًا لمنافسيها الصينيين، ما يجعل شركاتٍ مثل BYD و”جيلي” و”دونجفينج” و”شيري” قادرةً على استخدام هذه الصفقات لإعادة التموضع كمنتجين محليين، متجاوزةً بذلك تعريفاتِ الاتحاد الأوروبي وقواعدَ “صُنع في أوروبا”.
ووفق التقرير، تتصدر شركة “ستيلانتيس”، المالكة لعلاماتٍ تجارية مثل “فوكسهول” و”فيات” و”بيجو”، هذا التوجه؛ إذ تمتلك قدرةً إنتاجيةً تزيد على 800 ألف سيارة في أوروبا، وهو ما يفوق ما تستطيع بيعه داخل القارة العجوز، ما يفسح المجال أمام الشركات الصينية. وسيقوم مصنعها في مدينة رين الفرنسية بإنتاج سيارات “فوياه” في مشروعٍ مشترك مع شركة “دونجفينج” لصناعة السيارات، المملوكة للحكومة الصينية، بينما سيبدأ مصنعان إسبانيان إنتاجَ السيارات مع شركة “ليبموتور”.
كما أن هناك صفقاتٍ أخرى قيد الإعداد؛ فقد باعت شركة “نيسان” مصنعًا إسبانيًا لشركة “شيري”، وتجري الآن محادثاتٍ لتقاسم مصنعها في سندرلاند. كما يُشاع أن “فورد” تخطط لبيع جزءٍ من مصنعٍ إسباني لشركة “جيلي”.
ربح للطرفين
خلال الأيام الماضية، أفادت تقارير إعلامية ألمانية بأن شركة “فولكس فاجن” (VW) تدرس إمكانية مشاركة خطوط تجميعها مع شركةٍ صينية أو أكثر، بما في ذلك “سايك” و”إكس بينج”، ويُقال إن لدى الشركة فائضًا في الطاقة الإنتاجية يبلغ 500 ألف وحدة في مصانعها الأوروبية.
كما أن شركة BYD، كبرى الشركات الصينية العملاقة، تبني مصنعها الخاص في المجر، لكنها هي الأخرى بدأت تطرق أبواب الشركات الأوروبية.
وحسب “ذا تليجراف”، يبدو الأمر ظاهريًا مربحًا للطرفين؛ فالأوروبيون يتحملون تكاليفَ ثابتةً مرتفعةً على خطوط التجميع هذه، التي لا يمكنهم خفضها إلا من خلال إنتاج المزيد من السيارات.
ولفت التقرير إلى أن “تسليم زمام الأمور للصينيين له ميزةٌ كبيرة للأوروبيين؛ فهو يمنع إغلاقَ المصانع المكلف وفقدانَ الوظائف غير المقبول سياسيًا. كذلك، قد يتمكن الأوروبيون من خفض التكاليف من خلال الاستفادة من سلاسل التوريد الأرخص لشركائهم الصينيين”.
ومع ذلك، فإن المكاسب التشغيلية والمالية قصيرة المدى للأوروبيين لا تفوقها المكاسبُ الإستراتيجية للصينيين، “الذين يتمتعون بقدرة الوصول التنظيمي إلى الأسواق؛ لأنه إنتاجٌ محلي، وبنيةٌ تحتية صناعية جاهزة في الأسواق التي يكون فيها هذا الأمر مهمًا، وأطرُ علاقات عمل جاهزة لا يتعين عليهم التفكير فيها، فضلًا عن الوصول إلى سلسلة التوريد للنظام الصناعي القائم في أوروبا، وشرعية العلامة التجارية المصنوعة في أوروبا”.
صُنع في أوروبا
في الوقت الحالي، تمنع أحكام “صُنع في أوروبا”، الواردة في قانون تسريع الصناعة المقترح من قبل الكتلة، مصنعي السيارات من الحصول على إعانات الاتحاد الأوروبي أو إعفاءات ضريبية ما لم تكن 70% على الأقل من مدخلات السيارة الكهربائية، باستثناء البطارية، من أصل أوروبي.
لكن من المفارقات أن هذه القاعدة بالذات هي التي حفزت موجة الصفقات الصينية المحتملة، فيما يتعلق بالمصانع القائمة.
ورغم أن الجهود المبذولة لعقد شراكات مع الصين لا تزال في بداياتها، ولكن إذا ما ترسخت هذه الجهود “فيتوقع مستقبل قد لا يبذل فيه صانعو السيارات الأوروبيون سوى القليل من الجهد، حيث يضعون شعاراتهم الفاخرة على هياكل ومحركات صينية رخيصة الثمن”.
