
في وقتٍ كانت فيه الزيادة السكانية تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الصين، وتحذّر منها الدولة باعتبارها عبئًا يهدد الموارد والتنمية، تبدّل المشهد اليوم، وبات تراجع عدد السكان قنبلة ديموجرافية موقوتة تهدد مستقبل ثاني أكبر اقتصاد في العالم و”مصنع العالم” الذي اعتمد لعقود على وفرة اليد العاملة وقوة الكتلة السكانية.
بعد سنوات طويلة من القلق الرسمي من الانفجار السكاني، تواجه بكين اليوم أزمة معاكسة تتمثل في انخفاض معدلات المواليد وتسارع وتيرة الشيخوخة، وسط تغيرات اجتماعية واقتصادية عميقة أعادت تشكيل التركيبة السكانية للبلاد.
وأعلنت الهيئة الوطنية للإحصاء في الصين تراجع عدد السكان إلى نحو 1.405 مليار نسمة، مقارنة بنحو 1.408 مليار نسمة في عام 2024، في استمرار للانخفاض السكاني للعام الثالث على التوالي، نتيجة تراجع معدلات الإنجاب وارتفاع نسبة كبار السن.
هذا التحول الديموغرافي لا يقتصر على الأرقام فقط، بل يعكس تغيرًا هيكليًا في المجتمع الصيني، مع انخفاض معدل الخصوبة إلى 1.3 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل عن “خط التحذير الديموغرافي”، بالتزامن مع تأخر الشباب في الزواج والإنجاب بفعل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم والسكن.
ما الأسباب؟
في حديثه مع موقع “القاهرة الإخبارية”، قال وانج جيا شيوان، الباحث في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، إن أسباب هذا التأخر في الزواج والإنجاب ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية، من بينها ضغوط سوق العمل، وارتفاع أسعار السكن، وتزايد تكاليف التعليم، ونقص خدمات رعاية الأطفال، فضلًا عن ما يُعرف بـ”تكلفة الفرصة المهنية للإنجاب” بالنسبة للنساء.
واستشهد “وانج” في حديثه إلى تقديرات بحثية تفيد بأن متوسط تكلفة تربية طفل واحد في الصين حتى سن 18 عامًا يتجاوز 530 ألف يوان (نحو 78 ألف دولار أمريكي) أي ما يعادل أكثر من ستة أضعاف متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس أن تراجع الرغبة في الإنجاب لا يرتبط فقط بتغير المفاهيم الاجتماعية، بل أيضًا بأعباء اقتصادية واقعية ومتزايدة.
فيما وصف لإعلامي الصيني، شين شيوي، تلك الأزمة بأنها “ظاهرة هيكلية” مرتبطة بمستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعل من الصعب عكس هذا الاتجاه بشكل جذري، بينما تواصل الشيخوخة السكانية تعميق آثارها على المجتمع والاقتصاد.
وفي ضوء هذا الواقع الديموجرافي الجديد، أوضح “شين” في تصريحات خاصة لموقع “القاهرة الإخبارية”، أن الحكومة الصينية أعادت توجيه سياساتها السكانية نحو الاستثمار في رأس المال البشري ورفع جودة التنمية وكفاءتها، عبر تحسين تصميم السياسات العامة وزيادة الإنفاق الاجتماعي بما يتماشى مع التحولات السكانية الراهنة.
خطوات عملية لإنهاء الأزمة
وفي إطار مساعي الحكومة الصينية للقضاء على تلك الأزمة الديموجرافية الطاحنة، قررت بكين إنهاء “سياسة الطفل الواحد”، ثم سمحت بإنجاب طفلين، قبل أن تنتقل لاحقا إلى سياسة الثلاثة أطفال، في محاولة لوقف التراجع السكاني، فضلًا عن تحسين أنظمة التقاعد والتأمين الصحي، وتوسيع خدمات الرعاية المنزلية ودور المسنين.
وفي السياق، قال وانج جيا شيوان، إن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز سياسات دعم الإنجاب، وتوسيع خدمات رعاية الأطفال بأسعار ميسرة، وتوفير حماية أكبر لحقوق النساء في سوق العمل، بما يسهم في رفع رغبة الشباب في تكوين الأسر والإنجاب، مضيفًا أن الحكومة الصينية تسعى إلى تعويض تراجع “الوفرة السكانية” عبر الاستثمار في التعليم، والتكنولوجيا، والابتكار، ورفع إنتاجية العمل، وتحسين كفاءة الإدارة العامة، لضمان استمرار مسار التنمية الاقتصادية عالية الجودة.
وبدوره، أوضح شين شيوي، أن الصين تسعى إلى تنشيط ما يُعرف بـ”اقتصاد الفضة”، عبر تطوير خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية وتحسين منظومة التقاعد والحماية الاجتماعية، في إطار مواجهة تداعيات الشيخوخة السكانية بشكل متوازن ومستدام.
وبالتوازي مع ذلك، أكد الإعلامي الصيني أن بلاده تسرع وتيرة دمج التكنولوجيا بالقطاع الصناعي، مع التركيز على تطوير مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي، بهدف رفع كفاءة الإنتاج وتعويض النقص المتوقع في اليد العاملة الناتج عن تراجع عدد السكان، بما يعزز أسس النمو الاقتصادي عالي الجودة في المستقبل.
