
في عالم الأعمال، حيث تروى قصص النجاح غالباً من بوابة الابتكار والتكنولوجيا، يقف رجل على النقيض تماماً من هذه القاعدة. لم يقدم تطبيقاً ثورياً، ولم يخترع منتجاً جديداً، ومع ذلك بنى ثروة بمليارات الدولارات.
يصف الملياردير براد جاكوبس نفسه ببساطة: “أنا لا أبحث عن الأفكار العظيمة… بل عن القطاعات الفوضوية”.
في عالم الأعمال، يندر أن تتكرر المعجزة. لكن براد جاكوبس فعلها 8 مرات… من النفط إلى الخدمات اللوجستية، ومن إدارة النفايات إلى سلاسل التوريد، أعاد رسم ملامح صناعات كاملة وحولها إلى إمبراطوريات بمليارات الدولارات.
في بداية الثمانينيات، لم يكن براد جاكوبس سوى شاب يدير شركة صغيرة في تجارة النفط. لم يكن هناك ما يوحي بأنه سيصبح أحد أبرز صناع الشركات الضخمة في العصر الحديث. لكن ما كان يميزه منذ البداية لم يكن حجم المشروع، بل طريقة التفكير.
أسلوبه في البحث عن الفرص التالية كل مرة كان يبدأ بسؤال بسيط: “أين الفوضى التي يمكن تحويلها إلى نظام مربح؟”
من الفوضى تولد الإمبراطوريات
لاحظ جاكوبس مبكراً أن بعض الصناعات – مثل إدارة النفايات أو تأجير المعدات أو الخدمات اللوجستية – تعاني من سمة مشتركة: التجزؤ الشديد، وفقاً لما ذكره لبودكاست “David Senra”.
آلاف الشركات الصغيرة، وأنظمة غير موحدة، كفاءة ضعيفة، وهوامش يمكن تحسينها. بالنسبة لكثيرين، كانت هذه الفوضى سبباً للابتعاد. أما بالنسبة لجاكوبس، فكانت فرصة استثنائية.
بدأ أولى مغامراته الكبرى مع شركة “United Waste Systems”، وجمع خلالها شركات صغيرة متناثرة تحت مظلة واحدة. وفي غضون سنوات، تحولت إلى كيان ضخم بيع لاحقاً مقابل 2.5 مليار دولار، وفقاً لما ذكرته “بلومبرغ”، واطلعت عليه “العربية Business”.
بعدها بعامين تقريباً عاد إلى نفس القطاع، وكرر اللعبة، وباع شركة أخرى بمليارات عبر طرح حصة منها في البورصة. ثم انتقل إلى مجال تأجير المعدات ليؤسس “United Rentals”، التي أصبحت لاحقاً واحدة من أكبر 10 شركة في العالم في هذا المجال، وفقاً لموقعها الإلكتروني.
لكن الذروة جاءت مع “XPO Logistics”، والتي تمثل حالياً 65% من ثروته بحسب مؤشر “بلومبرغ للمليارديرات”، وهو الرهان الذي جعل اسمه يتردد في وول ستريت.
خلال سنوات قليلة، حولها من شركة مغمورة إلى عملاق عالمي عبر سلسلة من الاستحواذات السريعة والمدروسة.
وقال خلال بودكاست قبل 6 أشهر، إنه لم يكن يشتري شركات فحسب، بل كان يعيد هندسة الشركات بالكامل، عبر توحيد الأنظمة، والتحويل التكنولوجي، وقص التكاليف، ورفع الكفاءة.
“القيمة الحقيقية لا تشترى… بل تصنع بعد الاستحواذ”، بحسب جاكوبس.
عبقرية التفكيك بعد البناء
وعندما تصل الشركة إلى مرحلة النضج، لا يتمسك بها جاكوبس كما يفعل رواد الأعمال التقليديون. بل يقوم بخطوة معاكسة: التفكيك الاستراتيجي.
وبحسب “بلومبرغ” قام جاكوبس بفصل XPO إلى شركات مستقلة مثل “GXO” و”RXO”، ما أتاح لكل كيان أن ينمو بقيمته الخاصة. هذه الخطوة لم تكن مجرد إعادة هيكلة، بل كانت عملية تحرير للقيمة، انعكست في ارتفاع تقييمات الشركات المنفصلة.
ويعمل جاكوبس وفق 3 استراتيجيات أساسية في بناء العمل، تتمثل في استقطاب أفضل الكفاءات من السوق، مع وضع حوافز مالية كبيرة مرتبطة بالأداء، ثم يفرض إيقاعاً سريعاً لا يحتمل التردد.
ويعتقد جاكوبس أن البطء ليس ضمن قائمة اختياراته، حيث تؤكد فلسفته في العمل، أنه لا يوجد قرار كامل البيانات، وبالتالي فإما أن تنمو بسرعة أو تخرج من السباق.
يمثل جاكوبس نموذجاً مختلفاً. فهو يرى أن جودة قرارات القائد تعتمد على جودة تفكيره، وأن جودة التفكير هذه تعتمد على عادات ذهنية لا يكلف معظم المديرين التنفيذيين أنفسهم عناء تطويرها.
عندما يضخم الحجم أخطاء التفكير
أمضى جاكوبس جزءاً كبيراً من مسيرته المهنية في أماكن تكون فيها المخاطر واضحة لا لبس فيها. فقد يؤدي استحواذ سيئ التخطيط أو قراءة خاطئة للسوق إلى تدمير قيمة هائلة. وعلى هذا النطاق، نادراً ما تكون أخطاء القيادة خفية.
قال جاكوبس: “يفقد الجميع توازنهم من حين لآخر. إن فقدان التوازن العاطفي أمر لا مفر منه”.
ويرى أن ما يميز القادة الذين يتفوقون باستمرار هو سرعة تصحيح الأخطاء. إدراك متى يتأثر الحكم بعوامل أخرى غير الحقائق، وإعادة ضبطه قبل أن ينتشر هذا التأثير.
قال: “ليس المهم ألا تفقد تركيزك أبداً، بل أن تعرف كيف تعود إليه بسرعة”.
