لم يعد الطريق إلى الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة يمر بالضرورة عبر الجامعة. فمع صعود الذكاء الاصطناعي، بدأت المعادلة التقليدية بالاهتزاز، بينما يزداد الطلب على العمالة الفنية التي تعاني الشركات من نقص حاد فيها.

من ضواحي أوهايو إلى مكاتب الشركات الكبرى في دالاس، يكشف واقع سوق العمل الأميركي تحوّلاً لافتاً، بعدما أصبح الطلب على خريجي الجامعات باهتاً، ومالت كفة الطلب أكثر إلى عمال مهرة قادرين على تنفيذ المهام الميدانية المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.

تضرب شركة “AT&T” نموذجاً واضحاً لهذا التحول. فالرئيس التنفيذي جون ستانكي يؤكد أن الشركة تواجه صعوبة في العثور على فنيين في مجالات مثل الكهرباء والاتصالات والألياف الضوئية، ما يدفعها للاستثمار في تدريبهم وجذبهم، في ظل نقص مزمن داخل الولايات المتحدة.

يأتي هذا التحدي في وقت قياسي من حيث أعداد خريجي الجامعات، لكنه يعكس أزمة أعمق تضرب سوق العمل مع دخول الذكاء الاصطناعي. فالمهام التي كانت تمثل نقطة البداية للخريجين، خصوصاً في مجالات مثل التسويق والمحاسبة والقانون، أصبحت الآن تنجز بواسطة الأدوات الذكية.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي لم يتسبب بعد في موجة تسريحات واسعة، إلا أنه بدأ يبطئ التوظيف، خصوصاً في الوظائف ذات الخبرة المحدودة. وتظهر البيانات ارتفاع بطالة الخريجين الجدد إلى نحو 5.4% في 2025 مقارنة بمتوسط تاريخي عند 4.5%.

في المقابل، يشهد سوق العمل طلباً متزايداً على الوظائف الفنية المرتبطة ببناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات وشبكات الاتصالات. ويصف جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا”، هذه المرحلة بأنها “أكبر توسع في البنية التحتية في تاريخ البشرية”، مع توقعات بخلق وظائف برواتب مرتفعة.

لكن هذا التحول يحمل مفارقة لافتة، الوظائف الجديدة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لا تتطلب غالباً شهادات جامعية، بل مهارات تقنية ومهنية. وهو ما يعيد الاعتبار للعمالة الزرقاء التي لطالما تراجعت مكانتها أمام الوظائف المكتبية.

في الوقت نفسه، تواجه الجامعات ضغوطاً متزايدة لإعادة تصميم مناهجها، إذ لم يعد كافياً تخريج طلاب يمتلكون معرفة نظرية فقط. بل بات مطلوباً أن يمتلك الخريجون مهارات عملية وقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بكفاءة، لا مجرد الاعتماد عليه.

ورغم استمرار تفوق خريجي الجامعات من حيث الأجور وفرص العمل على المدى الطويل، إلا أن الفجوة بين التعليم وسوق العمل بدأت تتسع، خاصة مع ارتفاع تكاليف الدراسة وثبات عوائدها نسبياً.

على الأرض، تعكس قصة الشاب كايسون كوك هذا التحول. فبعد تركه الجامعة والعمل كفني في AT&T، تمكن خلال فترة قصيرة من امتلاك منزل وتحقيق استقرار مالي، مؤكداً أن عمله اليدوي يمنحه دخلاً وحياة لا يعتقد أنه كان سيحققها عبر المسار التقليدي.

ومع استمرار نقص العمالة الفنية، الذي قد يصل إلى أكثر من مليوني وظيفة غير مشغولة بحلول 2030، تبدو الولايات المتحدة أمام إعادة تشكيل جذرية لسوق العمل، حيث قد يصبح “الحلم الأميركي” أقرب لمن يحمل أدوات العمل بيده، لا الشهادة في جيبه.