
تكشف التحولات الأخيرة في الخطاب الرسمي الإيراني عن توجه متصاعد نحو إعادة توظيف الرموز القومية والتاريخية داخل البنية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية. فلم يعد الخطاب الإيراني يعتمد بصورة حصرية على المرجعية الدينية والثورية التقليدية، بل بات يمنح حضوراً متزايداً لمفاهيم مثل “إيران” و”الأمة الإيرانية” و”الحضارة الإيرانية”، بما يعكس محاولة لإعادة صياغة مصادر الشرعية السياسية وأدوات التعبئة الداخلية.
وقد ظهر هذا التحول بوضوح خلال حرب “الاثني عشر يوماً”، حين جرى أداء نشيد “أي إيران” داخل مجلس ديني عاشورائي بحضور المرشد الإيراني علي خامنئي، بعد أن طُلب تقديمه بصيغة إنشادية ذات طابع ديني. ولا يمكن التعامل مع هذه الخطوة باعتبارها مجرد تفصيل رمزي فرضته ظروف المواجهة العسكرية، بل بوصفها مؤشراً على توجه سياسي أوسع يسعى إلى دمج الرمزية القومية الإيرانية داخل السردية الدينية الرسمية.
وتتضح دلالة هذا المشهد في أن النشيد لم يُقدَّم بصيغته الوطنية التقليدية، وإنما أُعيدت صياغته ضمن إطار تعبوي ديني. ويعكس ذلك طبيعة العلاقة التي يقيمها النظام الإيراني مع الرموز الوطنية، إذ لا يجري استدعاؤها بوصفها تعبيرات مستقلة عن الهوية القومية، بل يُعاد إدماجها داخل خطاب سياسي يجعل من “إيران” جزءاً من منظومة “المقاومة” والشرعية الثورية.
ويبرز الاتجاه نفسه في طريقة الاحتفاء الرسمي بالفردوسي و”الشاهنامه” خلال الفترة الأخيرة. والفردوسي هو الشاعر الفارسي الأشهر في التاريخ الإيراني، وصاحب ملحمة “الشاهنامه” التي تُعد إحدى أهم الملاحم الأدبية في التراث الفارسي، إذ أعادت وفقاً للخطاب القومي الفارسي المعاصر “سرد التاريخ والأساطير الإيرانية القديمة”، وأسهمت في ترسيخ “الهوية الثقافية واللغوية الفارسية عبر القرون”.
فالخطاب الصادر عن مؤسسات الدولة، بما في ذلك مكتب المرشد الإيراني في 15 مايو (أيار) الجاري، لم يتعامل مع “الشاهنامه” باعتبارها مجرد ملحمة أدبية أو تراثاً ثقافياً قومياً، بل باعتبارها نصاً مرتبطاً بمفاهيم “الصمود” و”الدفاع” و”بطولات الأمة”. ويعكس ذلك سعياً لإعادة تقديم الفردوسي باعتباره جزءاً من السردية الرسمية للجمهورية الإسلامية، لا رمزاً قومياً قائماً خارجها أو في مواجهتها.
وفي السياق ذاته، وصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان “الشاهنامه” بأنها “الهوية التاريخية والثقافية للأمة الإيرانية”، بينما تحدثت رسائل رسمية أخرى، بينها تصريحات للمتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي، عن دور الفردوسي في حماية اللغة والهوية الإيرانية. وحتى مع غياب التصريحات المباشرة لبعض المسؤولين، فإن اللغة العامة للمؤسسات الرسمية بدت متقاربة بصورة لافتة، من خلال التركيز على “إيران” و”الهوية الوطنية” و”اللغة الفارسية”، إلى جانب مفردات الصمود والمقاومة.
والمفارقة أن هذا التحول يأتي بعد عقود من التوجس من النزعة القومية غير المؤدلجة داخل الجمهورية الإسلامية، باعتبارها ارتبطت تاريخياً بإرث النظام الملكي السابق. ففي بدايات الثورة، نظر بعض رموز التيار الثوري بعين الريبة إلى الرموز المرتبطة بإيران ما قبل الإسلامية أو بالمشروع القومي في عهد رضا شاه. حتى إن صادق خلخالي دعا آنذاك إلى إزالة ضريح الفردوسي، باعتباره جزءاً من خطاب قومي ينافس الهوية الإسلامية الثورية.
أزمة الشرعية وتوسيع أدوات التعبئة
لكن هذا التحول لا يرتبط فقط بمحاولة توسيع مصادر الشرعية السياسية، بل يعكس أيضاً صراعاً أعمق حول تعريف “الوطنية الإيرانية”. فالجمهورية الإسلامية واجهت لعقود انتقادات تتهمها بتقديم المشروع الأيديولوجي العابر للحدود على مفهوم الدولة الوطنية الإيرانية. ومن هنا يمكن فهم الاستدعاء المكثف لرموز مثل الفردوسي ونشيد “أي إيران” باعتباره محاولة لإعادة دمج “إيران التاريخية” داخل خطاب النظام، ومنع تحول الرموز القومية إلى فضاء منفصل عن السلطة أو معارض لها.
