مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، لا تتجه الأنظار فقط إلى ملفات القمة بين واشنطن وبكين، بل أيضًا إلى الرسائل الرمزية الكامنة وراء اختيار المواقع التاريخية التي ستحتضن اللقاءات الرسمية بين قادة البلدين.

فمنذ سنوات، اعتادت الصين استخدام مواقعها الإمبراطورية والتاريخية كخلفية ذات دلالات سياسية عميقة في إدارة دبلوماسيتها مع الولايات المتحدة.

وبحسب صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست”، فإن “الأحاديث المسائية” التي جمعت الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بالرئيس الصيني شي جين بينج في جزيرة “ينجتاي” داخل مجمع “تشونج نانهاي”، وصولًا إلى حفل الشاي الذي أقيم لترامب داخل “المدينة المحرمة” خلال ولايته الأولى، كانت الرمزية التاريخية دائمًا جزءًا من الرسالة السياسية الصينية.

زيارة إلى معبد السماء

وخلال الزيارة الحالية، يتوقع أن يحظى “معبد السماء” أو “تيانتان” باهتمام خاص، وهو أحد أبرز مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، ويُعد رمزًا لفكرة “النظام الكوني” والشرعية السياسية في الثقافة الصينية التقليدية.

وبحسب نائبة السكرتير الصحفي الرئيسية للبيت الأبيض آنا كيلي، سيشارك ترامب صباح غدًا الخميس في مراسم استقبال رسمية واجتماع ثنائي مع شي جين بينج، يعقبه جولة داخل معبد السماء ثم مأدبة رسمية. كما سيعقد الزعيمان لقاءً جديدًا بعد غد الجمعة يتخلله حفل شاي وغداء عمل.

ويعود تاريخ “معبد السماء” إلى القرن الخامس عشر، وكان يستخدم خلال عهد أسرتي “مينج” و”تشينج” كموقع مقدس يقدم فيه الأباطرة القرابين للسماء ويصلون من أجل الحصاد الوفير، في إطار فلسفة صينية تعتبر الإمبراطور وسيطًا بين “السماء والأرض”، بحسب الموقع.

المجمع الديني

ويقع المجمع الديني في جنوب شرق وسط بكين، ويمتد على مساحة 273 هكتارًا، أي ما يعادل نحو أربعة أضعاف مساحة “المدينة المحرمة”.

كانت المدينة المحرمة المحطة الأبرز خلال زيارة ترامب الأولى للصين عام 2017، عندما حصل على استقبال استثنائي وصفته بكين آنذاك بأنه “زيارة دولة بلس”. وخلال تلك الزيارة، استقبل شي جين بينج وزوجته بنج لي يوان ترامب وزوجته ميلانيا في “قاعة باو يون لو” داخل القصر الإمبراطوري السابق.

وتتميز هذه القاعة بطراز معماري غربي، وشُيدت عام 1915 لحفظ الكنوز الإمبراطورية القادمة من قصور خارج بكين، بتمويل من أموال أعادتها الحكومة الأمريكية للصين في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ثيودور روزفلت.

وخلال جلسة الشاي حينها، عرض ترامب مقطع فيديو لحفيدته أرابيلا وهي ترتدي الزي الصيني التقليدي “تشيباو”، وتغني باللغة الصينية وتلقي قصائد كلاسيكية بلهجة الماندرين، في مشهد لاقى اهتمامًا واسعًا داخل الصين.

واعتبرت تلك المناسبة نادرة للغاية، إذ كانت المرة الأولى التي تستضيف فيها الصين رئيس دولة أجنبيًا داخل المدينة المحرمة منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

وجهة هنري كيسنجر

ورغم أن “معبد السماء” لا يتمتع بالخصوصية ذاتها التي تحظى بها المدينة المحرمة، فإنه كان يعد وجهة مفضلة لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، مهندس التقارب التاريخي بين واشنطن وبكين، الذي زار الموقع أكثر من عشر مرات.

وخلال زيارته السرية إلى الصين عام 1971، التي مهّدت الطريق لزيارة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون التاريخية لاحقًا، كان معبد السماء أول موقع يزوره كيسنجر خلال استراحة من المحادثات السرية.

وفي خطوة تعكس أهمية الزيارة الحالية، أعلنت إدارة متنزه معبد السماء إغلاق الموقع أمام الجمهور يومي 13 و14 مايو، مع السماح للزوار الذين اشتروا تذاكر مسبقًا باسترداد قيمتها. وكانت الصين أغلقت أيضًا “متحف القصر” داخل المدينة المحرمة خلال اليوم الأول من زيارة ترامب عام 2017 لاستضافة الرئيس الأمريكي وزوجته.

رسائل سياسية

وفي الدبلوماسية الصينية، لا تستخدم المواقع التاريخية باعتبارها مجرد خلفيات بروتوكولية، بل تحمل عادة برسائل سياسية مرتبطة بالتاريخ والعلاقات الثنائية.

وفي عام 2017، قال أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الشعب الصينية جين تسانرونج إن احتساء الشاي داخل “قاعة باو يون لو” كان يبعث “إشارة قوية” إلى الولايات المتحدة بأن التعاون، وليس المواجهة، هو الطريق الأنسب للعلاقة بين البلدين.

كما شهدت زيارة أوباما للصين عام 2014 جولة خاصة مع شي جين بينج داخل جزيرة “ينجتاي”، الواقعة في قلب مجمع “تشونجنانهاي”، الذي يُعد مركز السلطة للحزب الشيوعي الصيني والحكومة المركزية.