مع خيوط الفجر الأولى في 21 ديسمبر، كان كل شيء يبدو طبيعياً على متن ناقلة النفط العملاقة “بيلا 1”… البحارة يؤدون مهامهم اليومية؛ من يراجع المحركات، ومن يراقب السطح، ومن يستعد لنهاية نوبة طويلة. لم يكن أحد من الرجال الـ28 على متن السفينة يعلم أن هذا اليوم الهادئ سيكون بداية واحدة من أكثر الرحلات خطراً وغموضاً في مسيرتهم البحرية.

“بيلا 1” ليست ناقلة عادية. بطول يتجاوز 330 متراً (ما يعادل ثلاثة ملاعب كرة قدم) وقادرة على حمل نحو مليوني برميل من النفط الخام، تعد من أضخم السفن في العالم، إلى حد يجعل رسوها ممكناً في عدد محدود جداً من الموانئ. وقد تركت سنوات الخدمة الطويلة بصمتها الواضحة على جسدها الصدئ، حتى أن أحد البحارة الشباب قال إن الصدأ “كان يصدر أصوات دغدغة تحت الأقدام كأنه ثلج”.

معظم أفراد الطاقم قدموا من أوكرانيا وروسيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق. بحارة متمرسون، لكن قلة منهم عملت سابقاً على سفينة شبيهة ب”بيلا 1″. ورغم صعوبة العمل، بدا الأمر في نظرهم وظيفة مثل أي وظيفة أخرى. قال كونستانتين “السفينة منهكة، لكنها ليست شيئاً لا يمكن إصلاحه”، وهو أحد أفراد الطاقم، والذي طلب عدم ذكر اسمه الحقيقي خوفاً من العواقب، بحسب ما جاء في تقرير مطول نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، لكن منذ البداية، كانت هناك مؤشرات غريبة. لم يكن للسفينة مالك واضح، وشركة تشغيل الطاقم – المسجلة في مولدوفا – عرضت دفع الرواتب بعملات رقمية. التعليمات كانت تصل إلى القبطان عبر حساب مجهول على تطبيق “تيليغرام”، بلا اسم ولا صورة حقيقية، فقط رسم كرتوني ياباني.

إنذار “القرصنة” في قلب الأطلسي

في ذلك الصباح، استيقظ كونستانتين على نداء غير مألوف عبر مكبرات الصوت: “هجوم قرصنة”. بدا الأمر عبثياً. فالسفينة كانت في عرض المحيط الأطلسي، بعيداً عن بؤر القرصنة المعروفة. ثم انقطع الاتصال بالكامل. هرع البحارة إلى داخل غرفة المحركات، كما تقتضي بروتوكولات الهجوم المسلح، وأغلقوا الأبواب بإحكام.

24 ساعة كاملة قضوها في عزلة تامة، بلا أي فكرة عما يدور في الخارج. يتذكر كونستانتين “لم ينم أحد تلك الليلة”.

حين رفع الإنذار في اليوم التالي، لم يكن هناك أثر لهجوم. لكن من خلال نافذته الصغيرة، لمح كونستانتين قارباً صغيراً يلاحق الناقلة. كبر الصورة على هاتفه وظهرت الحقيقة… خفر السواحل الأميركي. وقال “وقتها فقط فهمت ما يحدث”.

أسطول الظل تحت النار

كانت الولايات المتحدة قبل أسابيع قد احتجزت ناقلة أخرى قرب فنزويلا تحمل نفطاً خاضعاً للعقوبات. لسنوات، اكتفت واشنطن وحلفاؤها بفرض عقوبات ورقية على ما يعرف ب”أسطول الظل”، وهي شبكة من ناقلات النفط المتهالكة التي تنقل الخام الروسي والإيراني والفنزويلي بعيداً عن أعين الرقابة.

لكن منذ ديسمبر، تغير النهج. بدأت عمليات تفتيش واحتجاز فعلية في عرض البحر، امتدت من الكاريبي إلى المحيط الهندي. أوروبا بدورها دخلت على الخط، مع تحركات فرنسية وسويدية وبريطانية تستهدف السفن المرتبطة بروسيا، بينما صعدت أوكرانيا هجماتها البحرية بالطائرات المسيرة.

اليوم، يقدر عدد ناقلات “الظل” بأكثر من ألف سفينة – نحو خمس الأسطول العالمي – كثير منها بلا تأمين معتبر، مملوكة لشركات وهمية، ومتهالكة إلى حد الخطر.

لكن خلف هذه السفن، يوجد بشر. بحارة نادراً ما يسلط الضوء عليهم.

لماذا يعملون في أسطول الظل؟

قليلون فقط يقصدون العمل على سفن خاضعة للعقوبات عن وعي كامل. الرواتب ليست خيالية. والمخاطر هائلة. لكن بالنسبة لكثيرين، تمثل هذه السفن فرصة ترقية، أو باباً لاكتساب خبرة لا توفرها السفن الأحدث والأكثر التزاماً بالمعايير.

وقال ميكانيكي روسي شاب للصحيفة: “تقبل بسفينة قديمة، لتحصل على منصب أعلى”، مضيفاً “تجمع الخبرة… ثم تمضي”.

غالباً ما تتم عمليات التوظيف عبر إعلانات لا تذكر طبيعة الشحنات أو الوجهات عالية المخاطر. بعض البحارة على متن “بيلا 1” قالوا إنهم لم يدركوا حجم العقوبات إلا بعد صعودهم على متنها. وقال أحدهم “كنت قلقاً… لكني بحاجة إلى أن آكل”.

عندما اكتشف الطاقم أن وجهة السفينة ليست كوراساو كما أبلغوا، بل فنزويلا، تصاعد الغضب. الأخطر أن الخطة كانت تغيير علم السفينة إلى العلم الروسي لتجاوز الحصار الأميركي. جرى تمزيق علم هولندا وخياطته ليصبح علماً روسياً.

بالنسبة ل17 بحاراً أوكرانياً، كانت تلك القشة التي قصمت الظهر. رفضوا العمل، ووقعوا مع القبطان رسالة جماعية يطالبون فيها باستبدالهم. توقفت “بيلا 1” قبالة السواحل الفنزويلية… ثم جاء الإنذار.

بدلاً من الامتثال لأوامر خفر السواحل، هربت السفينة. وعلى مدى 17 يوماً، طاردت السفينة الأميركية “مونرو” الناقلة عبر الأطلسي، في واحدة من أكثر المطاردات البحرية إثارة في السنوات الأخيرة.

قال كونستانتين: “كنا نعلم أننا تورطنا في شيء أكبر منا بكثير”.

في 7 يناير، بين اسكتلندا وآيسلندا، استدعى القبطان الطاقم. سلمهم رقم محام أميركي، وقال: “اتصلوا بذويكم… المسألة ساعات”.

بعد قليل، حلقت المروحيات الأميركية فوق السفينة، واقتحمتها قوات خاصة مدججة بالسلاح. وقال أحد البحارة والذي يدعى إدغار “ركعت ورفعت يدي ولم أصدق أن بندقية آلية موجهة نحوي”.

احتجز الطاقم 19 يوماً داخل السفينة، في مشهد سريالي: لعب أوراق، أفلام على جهاز عرض، وطاه يواصل إعداد وجبات تستحق نجمة ميشلان، بحسب إدغار، والذي وصف الأمر وهو يضحك. أما القبطان والضابط الأول، فاقتيدا إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجناً.

ما بعد بيلا 1

في أواخر فبراير، جرت السفينة إلى الولايات المتحدة بانتظار مصير قانوني غامض. أما البحارة، فتفرقوا. بعضهم أدلى بشهادته لل”FBI”، وآخرون عادوا إلى بلدانهم، وهم يتساءلون عما إذا كانوا سيجدون عملاً في البحر مجدداً.

قال إدغار: “هذه القصة لن تنسى”. مضيفاً “كنت سيئ الحظ لأني وقفت في قلبها”.

في عالم أسطول الظل، تختفي الشركات وتعود بأسماء جديدة، وتبحر السفن بلا هوية واضحة. لكن من يقفون على أسطحها (بحارة الظل) يدفعون الثمن الأكبر، في حرب نفط لا يرون فيها سوى الأمواج والخطر.