
أعادت الحرب على إيران رسم خريطة الطاقة العالمية، وفتحت جدلًا واسعًا بين دول تُراهن على التحول السريع نحو الطاقة المتجددة وأخرى تتمسك بالوقود الأحفوري، وذلك في خضم اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بواشنطن، التي كشفت انقسامًا دوليًا حادًا حول مستقبل الطاقة.
وبحسب ما رصدته صحيفة بوليتيكو، يأتي إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة التجارية، في خطوة رحَّب بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معلنًا أن “المضيق أصبح جاهزًا لعبور السفن”، ليُضيف بُعدًا جديدًا لمشهد اقتصادي بالغ التعقيد.
الصدمة أكبر من أزمة السبعينيات
نقلت صحيفة بوليتيكو عن رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول قوله صراحةً إن “الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وما أعقبها من شلل في إمدادات النفط ستُعيد رسم خريطة الطاقة العالمية”، محذرًا: “لن نعود إلى ما كنا عليه”.
وتجسد الأرقام حجم الأزمة، إذ إن مضيق هرمز يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية وثلث صادرات الأسمدة، ورغم أن العالم اليوم أقل اعتمادًا على النفط مقارنةً بأزمة السبعينيات، فإن الوكالة ترى أن حجم الصدمة الراهنة يتجاوزها بمراحل.
وتتقاطع هذه التحذيرات مع توقعات صندوق النقد الدولي بتباطؤ النمو وارتفاع التضخم، حتى في حال انتهت الحرب سريعًا، فيما يُشير الصندوق إلى أن السيناريو الأسوأ -إذا امتدت اضطرابات الإمدادات إلى العام المقبل- قد يهوي بالنمو العالمي إلى 2% فحسب، مع تحمل الدول منخفضة الدخل المستوردة للطاقة النصيب الأكبر من الثمن.
إجبار على التحول
على الجانب الآخر من المعادلة، رصدت “بوليتيكو” موجة متصاعدة في آسيا تتخذ من الأزمة ذريعةً للتحرر من أسر الوقود المستورد، إذ أكد وزير مالية باكستان محمد أورنجزيب أن بلاده “كانت على المسار الصحيح” في التحول للطاقة المتجددة، مشيرًا إلى أن طفرة الطاقة الشمسية على الأسطح التي اندلعت إبان ارتفاع أسعار الغاز عام 2022 ساعدت في تخفيف وطأة الصدمة الحالية، غير أنه شدد على أن “الرحلة تحتاج إلى تسارع”.
ويشير نظيره التايلاندي إيكنيتي نيتيثانبراباس إلى الرسالة ذاتها، مؤكدًا أن الأسعار المرتفعة “تُجبرك على التحول”، معلنًا عن حوافز ضريبية لتشجيع المواطنين على تركيب الألواح الشمسية، فضلًا عن استثمارات في الشبكات الذكية وبطاريات التخزين.
ويدعم بنك التنمية الآسيوي هذا التوجه عبر برنامج بـ10 مليارات دولار لتعزيز البنية التحتية الإقليمية للطاقة في جنوب شرق آسيا، فيما دعا رئيسه ماساتو كاندا إلى استكشاف الطاقة النووية وغيرها من البدائل، معترفًا بأن بعض الدول الآسيوية لجأت مؤقتًا إلى الفحم، لكنه استبعد أن يكون له مستقبل طويل.
الرهان مستمر على النفط والغاز
في المقابل، تسير الولايات المتحدة وعدد من الدول المنتجة في اتجاه معاكس تمامًا، إذ أشاد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بالإنتاج الأمريكي المتنامي من النفط والغاز، ودعا إلى تقليص سياسات المناخ، بل طالب البنك الدولي بالتخلي عن هدفه المناخي القاضي بتخصيص 45% من إقراضه لمشروعات ذات فوائد مناخية، مشككًا في دور الوقود الأحفوري في ارتفاع درجات الحرارة.
وبحسب بوليتيكو، يراهن ترامب على الطلب العالمي المستدام للوقود الأحفوري، إذ ترتفع صادرات النفط الأمريكية حاليًا مع تهافت الدول على تأمين إمداداتها، وإن كان ذلك يُغذي بدوره ارتفاع أسعار الوقود محليًا.
ومن الدوحة، أبدى وزير مالية قطر علي بن أحمد الكواري، لـ”بوليتيكو” تشككًا واضحًا في قدرة العالم على تجاوز النفط، قائلًا: “أرادوا الابتعاد عن النفط والغاز لسنوات ولم يستطيعوا، وسيستغرق الأمر وقتًا أطول بكثير”.
الأزمات الكبرى تصنع التحولات التاريخية
رغم حدة الانقسام، تبقى ثمة أصوات تنظر إلى المشهد بعين التاريخ، إذ قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، المبعوث المناخي في عهد الرئيس السابق بايدن، لـ”بوليتيكو”، إن “أكبر تحولات الطاقة عالميًا جاءت دائمًا في أعقاب أكبر الاضطرابات”، مستشهدًا بتحول فرنسا نحو الطاقة النووية إثر حظر النفط العربي عام 1973، وبالتحول الأوروبي نحو الطاقة النظيفة عقب الحرب الروسية لأوكرانية، مستنتجًا: “أعتقد أن إحدى لحظات التحول هذه حانت الآن”.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس بنك التنمية الآسيوي ماساتو كاندا أن “الأزمة بهذا الحجم هي أيضًا محفز للتغيير”، وهو ما يصفه كبير اقتصاديي الصندوق بيار أوليفيه جورينشاس بالتوجه نحو الموارد المحلية بعيدًا عن النفط المدفوع بالدولار، مضيفًا: “غالبًا ما يعني ذلك الطاقة المتجددة، وسنشهد على الأرجح دفعًا كبيرًا في هذا الاتجاه”.
