رغم الخسائر التي تكبّدتها البحرية الإيرانية جراء هجمات أمريكية وإسرائيلية، لا يزال ما يُعرف بـ “أسطول البعوض” الإيراني يمثّل مصدر قلق أمني متصاعد في مضيق هرمز، في ظل قدرته على تنفيذ عمليات سريعة وغير تقليدية تهدّد الملاحة التجارية والعسكرية.

قوة غير تقليدية

يعتمد هذا الأسطول، التابع للقوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني، على مئات الزوارق الصغيرة والسريعة والمناوِّرة، بعضها قادر على تجاوز 115 ميلًا في الساعة، إلى جانب منظومات صاروخية وطائرات مُسيَّرة يمكن إطلاقها من البحر أو من مواقع ساحلية مموّهة، وفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

ويرى خبراء عسكريون أن هذه القوة صُممت على أساس “الحرب غير المتكافئة”، بما يسمح لإيران بتهديد خصومها من دون الانخراط في مواجهة بحرية تقليدية مباشرة، خصوصًا في البيئة الجغرافية المعقدة لمضيق هرمز، الذي يضيق في بعض مناطقه إلى ممرات محدودة الحركة.

تهديد للملاحة الدولية

برز دور هذه القوة مع تصاعد التوترات الإقليمية، إذ ارتبطت بتهديدات إيرانية بإغلاق المضيق الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميًا، وبسلسلة هجمات استهدفت سفنًا خلال الحرب، في وقت يرى محللون أن الزوارق السريعة والطائرات المُسيَّرة تشكل أدوات فعالة لتعطيل حركة الشحن، حتى في ظل التفوق البحري الأمريكي.

ويقول خبراء إن الخطر لا يكمن فقط في الزوارق نفسها، بل في تكتيكات الضرب والانسحاب، واستخدام أسراب الزوارق الصغيرة التي يصعب رصدها أو التعامل معها بسرعة، فضلًا عن إمكانية شن هجمات من قواعد مخفية داخل كهوف ومرافئ محصّنة على الساحل الإيراني.

إرث عسكري متجذر

تعود نشأة بحرية الحرس الثوري إلى ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن خلصت طهران، إثر الحرب العراقية الإيرانية والمواجهة مع الولايات المتحدة في الخليج، إلى أن التفوق العسكري الأمريكي يحول دون نجاح أي مواجهة مباشرة.

ومنذ ذلك الحين، طوّرت إيران إستراتيجية بحرية قائمة على الردع غير التقليدي، عبر زوارق هجومية سريعة وغواصات صغيرة ومُسيّرات بحرية، إضافة إلى انتشار قواعد عمليات على امتداد الخليج وفي عدد من الجزر التي تسيطر عليها.

ويقدّر خبراء أن بحرية الحرس تضم نحو 50 ألف عنصر، موزعين على قطاعات عملياتية متعددة، بما يعزز قدرتها على التحرّك السريع وتنفيذ عمليات واسعة النطاق.

محدودية الردع التقليدي

رغم امتلاك البحرية الأمريكية وسائل دفاع متطورة، بينها مدافع ثقيلة وأنظمة اعتراض، فإن خبراء يشيرون إلى أن البيئة الضيقة للمضيق تقلّص هامش المناورة، وتجعل التعامل مع هجمات مفاجئة بالصواريخ أو المُسيَّرات أكثر تعقيدًا.

ولهذا السبب، ترجّح تقديرات أن تبقى القطع البحرية الأمريكية خارج المضيق، في خليج عُمان أو بحر العرب، لتقليل تعرضها لهجمات محتملة، مع مواصلة مراقبة حركة الملاحة وفرض أي ترتيبات بحرية قائمة.

تاريخ من الاحتكاك

يمتلك الحرس الثوري سجلًا طويلًا من الاحتكاك مع القوات الأمريكية، شمل اعتراض سفن واقتراب زوارق هجومية من قطع بحرية أمريكية وحتى احتجاز زورقين تابعين للبحرية الأمريكية عام 2016، في حادثة أثارت توترًا كبيرًا آنذاك.

كما عززت حرب الطائرات المُسيَّرة، وفق تقديرات خبراء، من خطورة هذا التهديد، نظرًا لانخفاض كلفتها وصعوبة كشفها مقارنة بحجم الأضرار التي يمكن أن تُحدثها.

تهديد مستمر

رغم التقارير عن تدمير جزء من زوارق الحرس الثوري خلال الحرب، يرى محللون أن هذا الأسطول لا يزال يحتفظ بقدرات تعطيه دورًا مؤثرًا في أي تصعيد مستقبلي.

وبينما لم تُختبر تكتيكات “أسراب الزوارق” في مواجهة واسعة النطاق، فإن مجرد احتمال استخدامها، مقرونًا بالموقع الإستراتيجي لمضيق هرمز، يبقي “أسطول البعوض” الإيراني عامل تهديد يصعب تجاهله في معادلات الأمن البحري الإقليمي والدولي.