تكشف ملامح الميزانية الجديدة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تحول جذري في فلسفة إدارة الموارد داخل الحكومة الفيدرالية، يقوم على أولوية مطلقة للإنفاق العسكري مقابل تقليص واسع النطاق للبرامج المحلية.

وتعكس هذه المقاربة، بحسب موقع أكسيوس، إعادة صياغة واضحة لدور الدولة، حيث تُقدَّم القوة العسكرية باعتبارها الضامن الأول للأمن القومي، حتى وإن جاء ذلك على حساب قطاعات الرعاية الاجتماعية والبنية التحتية والتعليم.

كما تأتي في توقيت سياسي واقتصادي بالغ الحساسية، إذ يواجه ترامب تراجعًا ملحوظًا في معدلات التأييد على خلفية الحرب المستمرة مع إيران، إلى جانب ضغوط اقتصادية ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

رغم تأكيدات ترامب المتكررة بأن الصراع مع إيران لن يطول، فإن طلبه تخصيص نحو 1.5 تريليون دولار لميزانية البنتاغون، إضافة إلى 200 مليار دولار إضافية لتغطية تكاليف العمليات العسكرية، يعكس ترسيخًا فعليًا لاقتصاد حرب ممتد، وليس مجرد استجابة ظرفية مؤقتة.

زيادة دفاعية قياسية وتقشف داخلي غير مسبوق
وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق الدفاعي سيرتفع بنسبة 42%، وهي قفزة تعد من الأكبر منذ عقود، وتفوق معدلات التوسع العسكري في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان، بل وتقترب من وتيرة الإنفاق في فترات التعبئة الكبرى قبل الحرب العالمية الثانية.

في المقابل، يُتوقع خفض الإنفاق غير الدفاعي بنحو 10 %، أي ما يعادل 73 مليار دولار، مع تقليصات حادة طالت قطاعات حيوية مثل البيئة والبحث العلمي ودعم الأعمال الصغيرة. فوكالة حماية البيئة تواجه خفضًا بنسبة 52 %، والمؤسسة الوطنية للعلوم بنسبة 55 %، وإدارة الأعمال الصغيرة بنسبة 67 %.

أما الوكالات المستثناة من التخفيضات فتشمل وزارة العدل، التي ستحصل على زيادة بنسبة 13 % “لتعزيز قدرتها على تقديم المجرمين العنيفين إلى العدالة”.

تصريحات ترامب المسربة تكشف المقايضة بوضوح
في غداء مغلق بمناسبة عيد الفصح، بُث بالخطأ قبل حذفه من قناة البيت الأبيض على يوتيوب، شرح ترامب المقايضة بأكثر العبارات وضوحًا، إذ قال الرئيس لضيوفه: “نحن نخوض حروبًا. لا نستطيع الاهتمام برعاية الأطفال، أو برامج الرعاية الصحية الحكومية، أو غيرها من البرامج. علينا الاهتمام بأمر واحد: الحماية العسكرية. علينا حماية البلاد”.

وأضاف ترامب أن العبء يجب أن ينتقل إلى الولايات، التي قد تضطر إلى رفع ضرائبها الخاصة، مشددًا على أنه “من غير الممكن” للحكومة الفيدرالية تمويل كل هذه البرامج.

وتبرر إدارة ترامب هذه التخفيضات بالاحتيال والهدر وسوء الاستخدام. وفي منشور على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال”، وصف ترامب نائب الرئيس جيه دي فانس بأنه “قيصر مكافحة الاحتيال”، موجهًا إياه للتركيز على الولايات التي يقودها الديمقراطيون، حيث يزعم ترامب أن استرداد الأموال الناتجة عن عمليات الاحتيال يمكن أن يوازن الميزانية الفيدرالية.

غير أن هذه الطروحات تثير جدلًا واسعًا، خاصة في ظل تجارب سابقة لم تحقق نتائج ملموسة؛ فقبل عام، طرحت شركة “دوج” التابعة لإيلون ماسك الحجة نفسها، واعدة بتحقيق وفورات بقيمة تريليوني دولار، لكنها أخفقت في النهاية. ووجد محللون مستقلون أن الوفورات المزعومة مبالغ فيها بشكل كبير، وأدى رد الفعل السياسي العنيف إلى نبذ ماسك.

معضلة الجمهوريين بين الولاء لترامب ومصالح الناخبين
سياسيًا، تضع هذه الميزانية الحزب الجمهوري أمام معضلة معقدة. فالقواعد الانتخابية التي دعمت ترامب، لا سيما في الأوساط الريفية وطبقات الدخل المتوسط والمحدود، تعتمد بدرجة كبيرة على البرامج التي تشملها التخفيضات.

وبينما يؤكد مسؤولو الإدارة، ومنهم مدير مكتب الميزانية روس فوغت، أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق “وفورات حقيقية” وتعزيز كفاءة الإنفاق، يواجه المشرعون الجمهوريون خيارًا صعبًا بين الالتزام بأجندة الرئيس أو حماية مصالح ناخبيهم.

وخلص تحليل “أكسيوس” إلى أن الميزانية لا تعكس مجرد أرقام، بل تعبر عن تحول أيديولوجي أعمق في تعريف أولويات الدولة الأمريكية، حيث تتقدم اعتبارات القوة الصلبة على حساب التوازن التقليدي بين الأمن العسكري والاستقرار الاجتماعي.