post-title
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

 

حقّق غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من حلفاء الناتو لرفضهم الانضمام للحرب ضد إيران أمرًا واحدًا غير متوقع، وهو توحيدهم ضده، ففي مفارقة تاريخية، بدأ قادة أوروبيون ومسؤولون دفاعيون في عقد اجتماعات سرية للتحوط ضد خطر انسحاب أمريكا من حلف شمال الأطلسي، التي تعد الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي منذ عام 1949، بينما يبحثون عن بدائل دفاعية للالتفاف حول “ناتو” قد ينهار قريبًا.

تقييم قاتم من الداخل

في أحاديث خاصة، وعلى موائد العشاء الخاصة، وعلى هامش اجتماعات في بروكسل وأماكن أخرى، يناقش القادة والمسؤولون الأوروبيون كيفية التعامل مع تهديدات ترامب بالانسحاب من الناتو وماذا سيفعلون إذا نفذها، وفق ما كشفته صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية، استنادًا لمقابلات مع 24 وزيرًا ومسؤولًا ودبلوماسيًا.

ويتشارك القادة الأوروبيون الآن وجهة النظر القاتمة بأن هجمات ترامب الغاضبة المتزايدة على بريطانيا وإسبانيا وفرنسا ودول أخرى تؤكد حدوث “انفصام أساسي” في التحالف عبر الأطلسي.

وقال دبلوماسي أوروبي للصحيفة، طالبًا عدم الكشف عن هويته: “الناتو مشلول، ولا يمكنهم حتى عقد اجتماعات”، فيما أضاف مسؤول أوروبي آخر بصراحة: “من الواضح تمامًا أن الناتو ينهار بالفعل. لا يمكننا الانتظار حتى يموت تمامًا”.

وفي الأيام الأخيرة، أغرقت إدارة ترامب التحالف العسكري فيما قد يكون أعمق أزمة في تاريخه الممتد 77 عامًا، إذ تعهّد الرئيس وفريقه بإعادة تقييم عضوية أمريكا في الناتو بعد انتهاء حرب إيران، انتقامًا من فشل الحلفاء الأوروبيين في الانضمام للصراع، وصب ترامب نفسه الزيت على النار بوصف الناتو “نمر من ورق” في مقابلة مع صحيفة “ذا تليجراف” البريطانية، بحسب بوليتيكو.

عشاء هلسنكي السري

جسّدت قمة سرية في هلسنكي الأسبوع الماضي، الانقسام العميق بين الحليفين التاريخيين، إذ التقى 10 قادة أوروبيين على عشاء خاص دون مسؤوليهم ومساعديهم في الأجواء غير الرسمية لمتحف مانرهايم (منزل زعيم فنلندا في الحرب العالمية الثانية جوستاف مانرهايم) وفق بوليتيكو.

وسط أجواء أربعينيات القرن الماضي، المزينة بجوائز الصيد الخاصة بالزعيم الفنلندي الراحل، عقد قادة دول منها بريطانيا والسويد وفنلندا والنرويج والدنمارك وإستونيا وآيسلندا ولاتفيا وليتوانيا وهولندا نقاشًا صريحًا حول الحالة المزرية للتحالف عبر الأطلسي.

اتفق الجميع على أن سيل الشتائم من ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي سيئ ويزداد سوءًا، لكنهم أصروا على موقفهم الرافض للانضمام للحرب.

وقال مسؤول مطلع على النقاشات للصحيفة الأمريكية: “نريد جميعًا إنهاء الحرب لكننا لسنا على نفس الصفحة مع الولايات المتحدة”، إذ إن ترامب يريد من الناتو المساعدة، لكن القادة يظلون مقاومين لأن “معظم الأوروبيين لم يُبلغوا مسبقًا والخليج لا علاقة له بالناتو”.

وأضاف المسؤول: “هذه الدول العشر كانت دائمًا قريبة جدًا من بعضها البعض، لكني أقول إنها الآن أقرب من أي وقت مضى”.

وحدة أوروبية غير مسبوقة ضد الحرب الأمريكية

تشير “بوليتيكو” إلى أن اللافت في الاستجابة الدولية للحرب في إيران هو الوحدة الأوروبية غير المسبوقة في رفض إرسال أصول عسكرية للانضمام للقصف الأمريكي الإسرائيلي، وهو تحول درامي عن غزو العراق 2003، إذ “دمر” ترامب العلاقة عبر الأطلسية و”وحد” أوروبا في معارضة هذه الحرب، كما قال دبلوماسي أوروبي لبوليتيكو، فيما أضاف مسؤول حكومي أوروبي كبير أن الأمريكيين يجب أن يتعاملوا الآن مع خطئهم في مهاجمة إيران.

ففي غزو العراق 2003، كانت بريطانيا وبولندا من بين الدول التي أرسلت قوات للقتال مع الأمريكيين، إلا أن هذه المرة، أوضح رئيسا الوزراء البريطاني والبولندي أنهما لن يكونا جزءًا منها.

وأغلقت إسبانيا مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية يوم الاثنين الماضي، بعد رفضها السماح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها في بداية الحرب، بينما حظرت فرنسا على الطائرات الأمريكية استخدام مجالها الجوي إذا كانت تحمل حمولة عسكرية لإسرائيل، وفق بوليتيكو.

ستارمر “ليس تشرشل”

تحمّل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر العبء الأكبر من الهجمات الشخصية لترامب، الذي يرفض باستمرار اعتباره “ليس ونستون تشرشل” لترددها في الانضمام لعمل هجومي ضد إيران، بحسب بوليتيكو.

لكن ستارمر تجاهل الإساءات أمس الأربعاء قائلًا: “مهما كان الضغط علي وعلى الآخرين، مهما كان الضجيج، سأتصرف وفق المصلحة الوطنية البريطانية”، مؤكدًا أن الناتو “التحالف العسكري الأكثر فعالية الذي شهده العالم على الإطلاق” وأن بريطانيا تبقى “ملتزمة تمامًا” به.