
رسمت جولة الإعادة في الانتخابات البلدية الفرنسية، أمس الأحد، ملامح المشهد السياسي المتوقع للانتخابات الرئاسية 2027، في ظل نتائج متباينة لحزب التجمع الوطني اليميني المتشدد، وانقسامات حادة داخل المعسكر اليساري، فيما برز رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب كمنافس قوي لقصر الإليزيه.
انتصارات جزئية
حقق حزب التجمع الوطني بقيادة مارين لوبان نتائج مختلطة في جولة الإعادة، إذ فشل في السيطرة على مدن كبرى مستهدفة مثل مرسيليا وتولون ونيم، لكنه نجح في الفوز بمدن صغيرة ومتوسطة كمدينة كاركاسون ومنتون وأجد، خاصة في معاقله الجنوبية، وفق “بوليتيكو”.
وجاء أبرز انتصاراته في نيس على الريفييرا الفرنسية، إذ فاز حليفه إريك سيوتي، بمنصب عمدة خامس أكبر مدينة فرنسية، إضافة لفوزه المبكر في بيربينيان من الجولة الأولى، 15 مارس الجاري.
ورغم النتائج المتباينة، أعلن رئيس الحزب جوردان بارديلا، أن اليمين حقق “أكبر اختراق في تاريخه” بعشرات الانتصارات، واصفًا حزبه بـ”قوة هادئة”، مستعيرًا عبارة من حملة الرئيس السابق فرانسوا ميتران 1981، بحسب صحيفة ليزيكو الفرنسية، فيما أشادت لوبان بإستراتيجية “الانغراس المحلي” التي تؤتي ثمارها.
لكن المحللين قدموا تقييمًا أكثر حذرًا، إذ أوضح جيروم جافري من جامعة ساينس بو، أن المدن الكبرى تواصل الإفلات من اليمين المتطرف، لتحرمه من “الجوائز اللازمة لبناء زخم نحو الحملة الرئاسية”.
وكشفت جولة الإعادة استمرار نقطة ضعف تاريخية لليمين المتطرف، وهي تقليد التوحد ضده في الجولات الحاسمة، كما حدث في انتخابات 2017 و2022 الرئاسية.
وفي تولون، انقلبت الطاولة على لور لافاليت، حليفة لوبان، التي فازت بالجولة الأولى بـ42%، لكنها خسرت الإعادة أمام العمدة المحافظة بعد انسحاب مرشح محافظ لصالحها.
وفي مرسيليا، رغم حصول مرشح التجمع الوطني على 40% في الجولة الأولى، هُزم بسهولة أمام المرشح اليساري، وفق بوليتيكو وفايننشال تايمز.
بارديلا يتصدر
أكد استطلاع هاريس إنتراكتيف، بعد جولة الإعادة موقع بارديلا كأوفر حظًا للرئاسة 2027 بـ35% في الجولة الأولى، متقدمًا بـ17 نقطة على إدوار فيليب، وفق بوليتيكو.
كما تُعتبر انتخابات 2027 لحظة حاسمة للاتحاد الأوروبي، إذ يُنظر للتجمع الوطني المتشكك في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو كمرشح محتمل لقصر الإليزيه، وسيكون بارديلا المرشح إذا خسرت لوبان استئنافها ضد إدانتها باختلاس أموال البرلمان الأوروبي، بحسب فايننشال تايمز.
وتتمثل حجة التجمع الوطني في أن الأحزاب التقليدية قوية في المدن الكبرى فقط، لكن التيارات الوطنية الأوسع تتجه نحو اليمين.
وفي باريس، حصل مرشح الحزب على 1.6% فقط في الجولة الأولى، لكن بارديلا يبقى الأوفر حظًا وطنيًا، وفق بوليتيكو.
وحقق إدوار فيليب انتصارًا سهلًا في إعادة انتخابه عمدة للو هافر أمام منافس شيوعي قوي، محققًا الشرط الذي ربط به ترشحه الرئاسي، ما يعزز موقعه كثاني أوفر حظًا للتقدم للجولة الرئاسية، كما ذكرت فايننشال تايمز وبوليتيكو.
الاشتراكيون ينتصرون
نجح الحزب الاشتراكي في جولة الإعادة بالاحتفاظ بمدن كبرى كباريس ومرسيليا ورين ومونبلييه وليل ونانت، والفوز بأميان وسانت إتيان، لكنه خسر معاقل تاريخية كبريست وكليرمون فيران وتول وشيربور لليمين، وفق لوموند.
فيما فاز الخُضر بصعوبة في ليون رغم طعن المنافس، لكنهم خسروا بواتييه وستراسبورج وبيزانسون وبوردو.
في باريس، رفض الاشتراكي إيمانويل جريجوار تحالفًا مع فرنسا الأبية، ومع ذلك هزم رشيدة داتي بسهولة، ليمدد 25 عامًا من الحكم اليساري، متعهدًا بجعل باريس “قلب المقاومة” ضد اليمين المتطرف في 2027، وفق لوموند.
وبالمثل، رفض عمدة مرسيليا بينوا بايان تحالفًا مع فرنسا الأبية وفاز، ما دفع المحلل بريستييل للقول: “قد تعزز هذه النتائج موقف من لا يريدون التحالف مع فرنسا الأبية في 2027”.
“اختراق تاريخي”
فازت حركة فرنسا الأبية اليسارية في حملتها البلدية الأولى بنحو عشر مدن مهمة، منها روبيه في جولة الإعادة، وسان دوني بضواحي باريس من الجولة الأولى، إضافة لتامبون وسان فون وفينيسيو وكريل، كما فاز الحزب الشيوعي بنيم وأنقذ موقعه في “الحزام الأحمر” بالاندماج في قوائم فرنسا الأبية.
لكن الحركة اصطدمت بـ”سقف زجاجي” في ليموج وتولوز رغم التحالفات الواعدة، وفي هذه المدن المختلطة اجتماعيًا، كشفت الهزائم صعوبات إستراتيجية تُركز فقط على تعبئة الممتنعين في الأحياء الشعبية، بحسب لوموند.
صراع الهيمنة
اشتعلت معركة الروايات طوال مساء الأحد، بين أطياف اليسار، إذ حاولت فرنسا الأبية قطع الطريق على من سيشيرون لثقل “علامتها” في هزيمة مرشحي الوحدة، معتبرة أنها حققت “اختراقًا تاريخيًا”، وأن “ما بعد ماكرون بدأ” نحو 2027، بحسب لوموند.
وكتب ميلونشون، أن “نتيجة الجولتين تفتح مباشرة دورة الرئاسيات 2027″، معتبرًا أن “الحزب الاشتراكي جرّنا في سقوطه”.
ورفض هذا النهج فورًا النائب السابق فرانسوا روفان، محذرًا: “في المدن الكبرى حيث اليسار قوي، نخسر.. لا تحمق يا يسار”، مشيرًا إلى أن “ثلاثة أرباع اليساريين يقولون إنهم مع ترشيح مشترك للرئاسيات”، وفق لوموند.
كما تعرض الأمين الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور، لهجوم من معسكرين متعارضين، إذ انتقد في خطابه “الاستفزازات المفرطة والتجاوزات المعادية للسامية” في فرنسا الأبية واصفًا إياها بـ”طريق مسدود”، لكنه أضاف أن إستراتيجية “اليسار غير القابل للمصالحة” لرفائيل جلوكسمان أو فرانسوا هولاند “تقود لطريق مسدود” أيضًا، بحسب لوموند.
إخفاقات محلية
خسر حلفاء الرئيس ماكرون، في باريس وليون رغم دعمه الهادئ لهم، لكن حزب النهضة حقق أول فوزين كبيرين في بوردو وأنسي، بحسب بوليتيكو.
وقال زعيمه جابرييل أتال، إن النتائج أظهرت صعود الأطراف اليمينية واليسارية المتطرفة، معتبرًا ذلك “إشارة تحذير” تعكس رغبة الفرنسيين في “التغيير بسرعة أكبر”.
