شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل هجومًا عسكريًا على إيران، 28 فبراير 2026، الهجوم الثاني، الذي تمثلت أبرز نتائجه في مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وما يمثله من ثقل رمزي وديني، بعد أن شملت الضربات ما يقرب من 500 هدف داخل إيران. كانت الضربة الأولى، 13 يونيو 2025، التي شنتها إسرائيل وانخرطت فيها الولايات المتحدة باستهداف مرتكزات البرنامج النووي الإيراني في نظنز، وفوردو وأصفهان وأعلن الرئيس الأمريكي ترامب في حينها تدمير القدرات النووية لإيران.

وأطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، العملية العسكرية المشتركة الثانية “زئير الأسد” ضد إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي، وإزالة ما وصفه بالتهديد الوجودي الذي يمثله النظام الإيراني. وبرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، العمليات التي وصفها بالعمليات القتالية الكبرى التي ينفذها الجيش الأمريكي في إيران بأنها تهدف إلى الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة الصادرة عن النظام الإيراني، وهو نظام شرس يضم أشخاصًا قساة وخطرين وفق تعليقه. فيما وصف السفير الأمريكي مايك والتز لدى الأمم المتحدة، تلك الضربات “بالغضب الملحمي”. فيما توالت ردود الفعل الرافضة لاستمرار الهجمات المتبادلة بين الجانبين، لا سيّما بعد أن استهدفت إيران أراضي دول عربية كالإمارات وقطر والبحرين وعمان والكويت. كما أدانت القوى الكبرى مثل الصين وروسيا الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على طهران، ودعا الأمين العام للأمم أنطونيو جوتيريش، لخفض التصعيد ووقف الأعمال العدائية.

دوافع متنوعة

تتنوع دوافع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي لتنفيذ تلك العمليات العسكرية في عمق الأراضي الإيرانية، ما يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:

(*) القضاء على البرنامج النووى الإيراني: تمثل الهدف الرئيسي من الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لإدارة الصراع مع إيران دون توسيع رقعته ورهانها على أن تلك الضربات ستسهم مع تحرك الشارع الإيراني إلى إسقاط النظام، إلا أن إسرائيل تسعى لتوسيع رقعة الصراع باستهداف إيران وأذرعها في المنطقة. وبرغم اختلاف الرؤى يظل الهدف المشترك لتلك الضربات يتمثل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني. وهو ما برره ترامب بالقول نصًا، 28 فبراير 2026، “بأن إيران هي الراعي الأول للإرهاب في العالم، وقتلت أخيرًا عشرات الآلاف من مواطنيها بالشوارع في أثناء احتجاجاتهم، وكانت سياسة الولايات المتحدة وخصوصًا إدارتي بأن هذا النظام الإرهابي لا يمكن أن يمتلك سلاحًا نوويًا، لن يمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا”. هذا التوجه أيضًا كان جوهر خطاب نتنياهو للإسرائيليين. في 28 فبراير 2026 قائلًا إن الولايات المتحدة وإسرائيل أطلقتا عملية عسكرية مشتركة تهدف إلى إزالة ما وصفه بالتهديد الوجودي الذي يمثله النظام الإيراني، وأن التحرك جاء لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، مشددًا على أن طهران لا يجب لها امتلاك قدرات نووية عسكرية، قد تهدد إسرائيل والمنطقة والعالم.

(*) تفكيك منظومة الصواريخ الإيرانية: يمثل القضاء على منظومة الصواريخ الباليستة الإيرانية أحد الأهداف الرئيسية للضربات الأمريكية الإسرائيلية، لا سيّما بعد أن تمكنت تلك الصواريخ من الإفلات من منظومة الدفاع الإسرائيلية مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود، وغيرها لتصل إلى عمق الأراضي الإسرائيلية وإلى العديد من المدن في تل أبيب وحيفا. هذه القدرات الصاروخية جعلت وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، يحذر من الردود الانتقامية الإيرانية على الهجمات، قائلًا إنه “يتوقع إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة ضد دولة إسرائيل، وسكانها في المدى الزمني القريب جدًا”. فيما اعتبر مايك والتز السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، بأن عملية الغضب الملحمي ضد إيران موجهة نحو أهداف محددة وإستراتيجية إنها تهدف إلى تفكيك القدرات الصاروخية التي تهدد الحلفاء، وإضعاف الأصول البحرية المستخدمة في زعزعة استقرار المياه الدولية، وتعطيل المنظومة التي تزود الميليشيات العنيفة التابعة لها، وضمان ألا يتمكن النظام الإيراني أبدًا من تهديد العالم بسلاح نووي.

(*) قطع الإمدادات الإيرانية لميليشياتها: يتمثل أحد أهداف العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية قطع الإمدادات الإيرانية للميليشيات التابعة لها والمنتشرة في عدد من دول الإقليم بسوريا والعراق واليمن ولبنان، الميليشيات التي أسهمت وفق التصور الأمريكي في المزيد من هشاشة تلك الدول وعدم قدرتها على ممارسة السيادة بشكل كامل على أراضي، فضلًا عن تهديداتها المستمرة لأمن إسرائيل وأمن الملاحة الدولية بما جعل الولايات المتحدة تتجه نحو تشكيل تحالف حماية الازدهار لمنع الحوثيين من استهداف السفن التي تبحر في البحر الأحمر. لذلك فقد اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، النظام الإيراني بتسليح وتدريب الميليشيات في المنطقة لتنفيذ عمليات ضد أمريكا وإسرائيل، خلال تبريره لشن الضربات ضد إيران، قائلًا: “قتلت القوات الإيرانية وأصابت مئات الجنود الأمريكيين في العراق، واستمرت ميليشياتها في شن هجمات لا تحصى ضد قواتنا في الشرق الأوسط، وضد سفننا العسكرية والتجارية في الممرات الملاحية الدولية، لقد كان إرهابًا واسع النطاق، ولن نتحمله بعد الآن. مضيفًا من لبنان إلى اليمن، ومن سوريا إلى العراق، سلح النظام ودرب ومول ميليشيات إرهابية أغرقت الأرض بالدماء، وكان وكيله حماس هو من نفذ هجمات السابع من أكتوبر على إسرائيل، وقتل أكثر من ألف مدني، بينهم 46 أمريكيًا، واحتجز 12 من مواطنينا رهائن”.

(*) محورية النفط في المعادلة الأمريكية: يشكل النفط إحدى ركائز توجهات السياسة الخارجية لترامب. وهو ما أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، 3 يناير 2025، بأن الولايات المتحدة ستضع يدها على النفط في فنزويلا، وسيسمح لشركات النفط الأمريكية بالاستثمار المكثف في ذلك القطاع. كما يسعى ترامب للسيطرة على نفط إيران وتكثيف الوجود الأمريكي فى منطقة الخليج بما يحمل دولها فاتورة مرتفعة للحفاظ على أمنها ومن ثم يوظف ترامب، الذي جاء بوعود للحد من الحروب الأمريكية في الخارج ليجد نفسه في أتون حروب ربما دفعته إسرائيل لخوضها. لذلك فإن نجاح ترامب في إسقاط النظام الحالي بإيران، واستبداله بنظام آخر أكثر توافقًا مع السياسة الأمريكية في المنطقة سيعني شراكات اقتصادية جديدة بالتأكيد سيكون النفط والغاز في مقدمة بنودها، لا سيّما وأن إيران وفنزويلا يمتلكان معًا أكثر من 500 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة، أي ما يقارب من 30% من الاحتياط النفطي العالمي، في حين لا تمتلك الولايات المتحدة سوى 74 مليار برميل أي أقل من 4% من الاحتياطي العالمي من النفط. ومن ثم فإن فنزويلا التي تمتلك وحدها نحو 303 مليار برميل كأكبر احتياطي نفطي عالمي، وإيران صاحبة ثالث أكبر احتياط عالمي من النفط بنحو 209 مليارات برميل. يجعلهما في مرمى النيران الأمريكية، بما يجعل من تحركات ترامب سواء باختطاف مادورو من فنزويلا، والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لإسقاط النظام إستراتيجية مدروسة تقوم على البحث عن المصالح الأمريكية، حتى وإن كانت على حساب استقرار الشعوب. وهو ما حدث من قبل باحتلال العراق في أبريل 2003، تحت ذرائع واهية لنشر الديمقراطية، لكن كان الهدف الأمريكي الحقيقي إحكام السيطرة على آبار النفط في المنطقة.

الخلاصة يهدف الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، التي وصفت بالغضب الملحمي وفق السفير الأمريكي مايك والتز لدى الأمم المتحدة إلى تحقيق أربعة أهداف محددة وإستراتيجية هي: 1- تفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية التي تهدد الحلفاء، 2- إضعاف الأصول البحرية المستخدمة في زعزعة استقرار المياه الدولية، 3- تعطيل المنظومة التي تزود الميليشيات العنيفة التابعة لها، 4- ضمان ألا يتمكن النظام الإيراني أبدًا من تهديد العالم بسلاح نووي. والثابت أن نتائج تحقق هذه الأهداف سيرتبط بالأساس بمدى قدرة الداخل الإيراني على قراءة المشهد الإقليمي والدولي برفض السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي لارتباط هذا المبدأ ارتباطًا مباشرًا بالأمن العالمي. وهو ما يتطلب من النظام الإيراني على مستوى الداخل ضرورة التكيف مع تلك المطالب الدولية، من خلال إحداث تحولات جوهرية في بنية النظام السياسي القائم وسياساته الخارجية والتخلي عن الطموحات غير المشروعة، وبما يفوت الفرصة على وصول إيران لمرحلة الفوضى، التي ستهدد غالبية دول الإقليم. ما يتطلب أيضًا من المجتمع الدولي ضرورة تبني الرؤية المصرية، التي تتبنى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، ليطبق هذا المبدأ على كل الدول دون تمييز. المبدأ الذي سيسهم وإن كان صعب المنال -حال تحققه- في إرساء دعائم الاستقرار والتنمية داخل الإقليم، ويحد من صراعاته، “فهل يتحقق ذلك أم سيظل الإقليم في حالة من الاستنفار الدائم؟”.