
في واقعة تبدو غريبة للوهلة الأولى، أعلنت السلطات التركية مؤخراً إحباط محاولة تهريب عشرات الآلاف من ديدان العلق عبر مطار إسطنبول.
وبينما قد يبدو الأمر غير مألوف مقارنة بعمليات تهريب المخدرات أو العملات، فإن هذه الكائنات الصغيرة كانت ستدر أرباحاً كبيرة على المهربين، نظراً لقيمتها الطبية المرتفعة وسعرها الذي قد يصل إلى 20 دولاراً للدودة الواحدة في السوق السوداء.
ما أهمية ديدان العلق؟
تعيش ديدان العلق طبيعياً في البيئات المائية مثل الأنهار والمستنقعات، لكنها تحولت مع الوقت إلى مورد طبي مهم يُستخدم في بعض العمليات الجراحية، خاصة الجراحات الترميمية.
ورغم أن استخدامها يعود إلى آلاف السنين، حيث ظهرت في رسومات مصرية قديمة، فإن دورها تراجع مع تطور الطب الحديث قبل أن تستعيد مكانتها منذ ستينيات القرن الماضي، بعد اكتشاف احتواء لعابها على أكثر من مئة مركب مفيد، منها مواد مضادة للتجلط والالتهاب ومسكنات للألم.
تكمن أهميتها الحالية في قدرتها على تحسين تدفق الدم في الأنسجة بعد العمليات الدقيقة مثل إعادة وصل الأطراف أو ترقيع الجلد.
الأزمة في هذه الجراحات لا تتعلق بتغذية الأنسجة بالدم الشرياني بقدر ما ترتبط بالتخلص من الدم الوريدي المحتقن، وهو الدور الذي تؤديه العلقة بكفاءة عبر امتصاص الدم ومنع تجلطه بفضل المواد التي تفرزها أثناء اللدغ.
سوق سوداء لتجارة الديدان
هذا الطلب الطبي المتزايد في مقابل تراجع أعداد العلق بسبب الصيد الجائر من بيئاتها الطبيعية، أدى إلى نشوء سوق سوداء مزدهرة لتجارتها، ففي حين يمكن الحصول عليها قانونياً لأغراض البحث العلمي بأسعار منخفضة نسبياً، فإن قيمتها ترتفع بشكل كبير عند تداولها خارج الأطر الرسمية، ما يدفع البعض إلى تهريبها لتحقيق أرباح سريعة.
غير أن هذه التجارة لا تخلو من مخاطر، إذ تنتشر في السوق أنواع غير طبية يتم تسويقها على أنها فعالة، رغم أنها أقل قدرة على أداء الوظائف العلاجية المطلوبة.
كما أن بعض الأنواع المطلوبة عالمياً تتكاثر ببطء، ما يجعل تربيتها صعبة ويزيد من الضغط على مصادرها الطبيعية، الأمر الذي يهدد التوازن البيئي.
وشهدت السنوات الأخيرة اكتشاف أنواع من العلق الطبي في مناطق جديدة، مثل كردستان العراق، ما يفتح الباب أمام فرص علمية واقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على الحاجة إلى تنظيم استغلال هذه الكائنات وحمايتها من الاستنزاف غير المشروع.
في المحصلة، فإن تهريب ديدان العلق ليس مجرد ظاهرة غريبة، بل نتيجة مباشرة لتزايد الطلب الطبي العالمي على هذا الكائن الصغير الذي لا يزال يحتفظ بدور مهم في الطب الحديث، وسط تحديات تتعلق بالحفاظ عليه من الاستغلال المفرط.
