
يفتتح المبعوث الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، واحدًا من أعقد الملفات في المشهد العراقي، معطيًا أولوية لفهم العلاقة المتشابكة بين الفساد والميليشيات ضمن المقاربة الأمريكية للمرحلة المقبلة، في توقيت يتزامن مع مخاض تشكيل الحكومة الجديدة وتصاعد القلق من وصول قوى مسلحة إلى مراكز القرار السياسي.
وفي تدوينة على منصة إكس، أكد سافايا أن فريقه يعمل ميدانيًا في بغداد لدعم مسار تشكيل حكومة جديدة ومنع الميليشيات المدعومة من إيران من الوصول إلى السلطة، مشددًا على أن التحدي الأعمق لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى مواجهة منظومة فساد مترابطة تشكل رافعة مالية وأمنية لتلك الجماعات.
وأضاف أن “الجهد الأمريكي تجاوز مرحلة تتبع الأموال المنهوبة والمحولة إلى خارج العراق، ليشمل فهماً أوسع لوجهة هذه الأموال وكيفية استخدامها”، في إشارة إلى شبكة تمويل معقدة لا تعمل بمعزل عن النفوذ السياسي والأمني، بل تتقاطع معه في أكثر من مستوى.
تحول نوعي
وتكشف مقاربة سافايا – وفق مختصين – عن تحوّل نوعي في القراءة الأمريكية للفساد في العراق، إذ لم يعد يُنظر إليه على أنه مجرد خلل إداري أو أزمة حوكمة، بل أصبح يُعد آلية تشغيل وتمويل تحمي نفوذاً مسلحاً وتمنحه القدرة على التعامل مع الضغوط الداخلية والخارجية.
ووصل نحو 100 نائب إلى قبة البرلمان العراقي، يمثلون أحزاباً تمتلك أجنحة مسلحة، في مشهد يبرز حجم التداخل بين العمل السياسي والنفوذ المسلح داخل المؤسسة التشريعية.
وتشير تقارير إلى أن أغلب هذه الأحزاب تمتلك مكاتب اقتصادية تنشط في قطاعات مختلفة، وتحصل من خلالها على عقود حكومية ومشاريع خدمية، ما يمنحها مصادر تمويل موازية تعزز حضورها السياسي وتوسع نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وسط جدل مستمر حول حدود الفصل بين العمل الحزبي والنشاط الاقتصادي من جهة، والدور المسلح من جهة أخرى.
بدوره، كشف مصدر مطلع أن “الرسائل الأمريكية الموجهة إلى بغداد لم تتوقف خلال الأشهر الماضية، وتركزت بشكل واضح على ضرورة إبعاد الفصائل المسلحة عن المشهد السياسي وقطع المسارات الاقتصادية التي تمكّنها من إعادة إنتاج نفوذها داخل مؤسسات الدولة”.
وقال المصدر لـ”إرم نيوز” إن “واشنطن لا تنظر إلى ملف الفصائل المسلحة من زاوية أمنية فقط، بل من زاوية اقتصادية أيضاً، باعتبار أن شبكات التمويل هي العمود الفقري لاستمرار النفوذ”، مشيراً إلى أن “الإدارة الأمريكية أبلغت الجانب العراقي بضرورة تفكيك المكاتب الاقتصادية المرتبطة بتلك الفصائل، باعتبارها قنوات تمويل موازية للدولة”.
وأضاف المصدر، الذي طلب حجب اسمه، أن واشنطن أرسلت بالفعل قوائم بأسماء فصائل مسلحة وشخصيات ومكاتب اقتصادية مرتبطة بها، ووضعتها ضمن دائرة المراقبة المالية، في إطار مسار تدريجي يهدف إلى تضييق الخناق على مصادر التمويل قبل الانتقال إلى خطوات أكثر صرامة.
تضخم في أموال الفصائل
وتنسجم هذه المعطيات مع واقع اقتصادي جديد، إذ تشير تقديرات مراقبين إلى أن بعض الفصائل تحولت خلال السنوات الماضية من قوى مسلحة إلى شبكات اقتصادية واسعة النفوذ، تمتلك شركات واجهة، وتتحكم بمفاصل في قطاعات النقل والتجارة والمنافذ الحدودية، ما جعل تفكيكها مسألة عالية الكلفة سياسياً وأمنياً.
بدوره، يرى الباحث في الشأن السياسي، عماد محمد أن “المرحلة المقبلة تشير بوضوح إلى انتقال التركيز الأمريكي من إدارة التوازنات السياسية إلى تفكيك نفوذ الفصائل المسلحة داخل الدولة، ولا سيما على المستوى الاقتصادي والمالي، بعد سنوات من التعامل الحذر مع هذا الملف”.
وأضاف لـ”إرم نيوز” أن تعيين واشنطن مبعوثاً خاصاً إلى العراق يؤشر إلى جدية غير مسبوقة في فتح ملفات عميقة تتعلق بالفساد وشبكات التمويل، وفرض أنظمة إلكترونية وحوكمة صارمة على المصارف والمنافذ الحدودية.
وأكد أن هذا المسار يتطلب استجابة واضحة من السلطات الرسمية، إذ إن تجاهله قد يضع العراق أمام ضغوط مالية وسياسية متصاعدة في المرحلة المقبلة.
