
بينما صرّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن أوكرانيا والولايات المتحدة قطعتا شوطًا كبيرًا نحو التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع روسيا، تبدو النقطة العالقة والأكثر تعقيدًا في المفاوضات هي تحديد الجهة التي ستسيطر على أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا، محطة زابوريجيا.
وتقع المحطة في منطقة زابوريجيا جنوب أوكرانيا، وهي تحت السيطرة الروسية منذ الأيام الأولى للحرب. وفي الوقت الحالي، فإن جميع مفاعلاتها الستة متوقفة عن العمل، ويقول خبراء نوويون إن إعادة تشغيلها لتوليد الكهرباء في ظل استمرار القتال أمر بالغ الخطورة.
في الوقت نفسه، ترغب كل من روسيا وأوكرانيا في إعادة تشغيل المحطة بعد الحرب، وتسعى كلتاهما للسيطرة على عملياتها، وتعدانها موردًا حيويًا للطاقة نظرًا لقدرتها الهائلة على توليد الطاقة، والبالغة ستة جيجاوات، والتي تكفي لتزويد دولة متوسطة الحجم -مثل البرتغال- بالطاقة.
أيضًا أبدت الولايات المتحدة اهتمامًا بمحطة زابوريجيا، إذ رأت في المنشأة فرصة لتعزيز مصالحها الاقتصادية في اتفاقية السلام؛ كما أشارت صحيفة “نيويورك تايمز”.
وقال زيلينسكي إن المفاوضين الأمريكيين اقترحوا أن تتولى الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا تشغيل المحطة بشكل مشترك، وهو اقتراح تعارضه كييف.
وأضاف أنه وفريقه ناقشوا مصير المحطة لمدة 15 ساعة تقريبًا في الأيام الأخيرة، وأضاف: “هذه كلها مسائل معقدة للغاية”.
نيات روسية
في بداية الحرب، أثار استيلاء روسيا على المحطة التي تقع على خط المواجهة إدانة واسعة من المجتمع الدولي. وأثار الوضع المحفوف بالمخاطر مخاوف من وقوع كارثة نووية.
كما تسببت الاشتباكات القريبة، مرارًا وتكرارًا، في انقطاع التيار الكهربائي عالي الجهد عن المحطة المتوقفة عن العمل، وهو أمر ضروري لتشغيل أنظمة التبريد التي تمنع انصهار الوقود النووي، وخلال تلك الفترات اضطرت المحطة إلى الاعتماد على مولدات ديزل احتياطية لتبريد المفاعلات.
وفي عام 2023، تسبب انفجار في سد في استنزاف المصدر الرئيسي لمياه التبريد للمحطة، ما أجبرها على الاعتماد على بركة تبريد أصغر وآبار، وزاد من المخاوف بشأن خطر الانصهار النووي.
وحسب الصحيفة الأمريكية، تم ترتيب وقف إطلاق نار محلي محدود، بما في ذلك وقف إطلاق نار هذا الأسبوع، للسماح للفرق بإصلاح خطوط الكهرباء وإعادة توصيل المحطة.
لكن بشكل واضح، أكدت روسيا أنها لن تتخلى عن سيطرتها على المحطة، وأعلنت عن خطط لإعادة تشغيل المفاعلات وتزويد شبكتها الكهربائية بالكهرباء.
ونقلت “نيويورك تايمز” عن خبراء الطاقة إن المحطة قد تُستخدم لتزويد أجزاء من جنوب وشرق أوكرانيا الخاضعة للسيطرة الروسية بالطاقة.
وفي العام الماضي، أظهر تقرير لمنظمة “جرينبيس” أن روسيا كانت تُنشئ خطوط كهرباء في جنوب أوكرانيا لربط المحطة بشبكتها.
والأسبوع الماضي، قال زيلينسكي للصحفيين: “لقد احتلوها، ويعتقدون أننا لا نستطيع فعل الكثير لمنعهم من استئناف تشغيلها”.
وأشار الرئيس الأوكراني إلى أن الروس “سيربطون تشغيل هذه المحطة باعتبارات إنسانية، وبحقيقة وجود أناس في الأراضي المحتلة مؤقتًا لا يملكون الماء ولا الكهرباء”.
السيطرة لمن؟
بالنسبة لأوكرانيا، لا يقتصر استعادة السيطرة على المحطة على مجرد إلغاء عملية مصادرة غير قانونية، بل هو أمر محوري لتحقيق استقلال البلاد في مجال الطاقة بعد الحرب. فقبل الحرب كانت المحطة تُؤمِّن ما يقارب ربع احتياجات البلاد من الكهرباء.
ووفق “نيويورك تايمز”، بدأت المحادثات حول مشاركة الولايات المتحدة في المحطة مطلع العام الماضي، عندما تفاوضت كييف وواشنطن على اتفاقية تمنح الولايات المتحدة امتيازات في استخراج المعادن في أوكرانيا.
وأبلغ المسؤولون الأوكرانيون نظرائهم الأمريكيين أن معالجة المعادن ستتطلب طاقة هائلة ولن تكون مجدية إلا إذا عادت محطة زابوريجيا إلى السيطرة الأوكرانية. إذ يمكن للمحطة تزويد المنشآت كثيفة الاستهلاك للطاقة -مثل مراكز البيانات- بالطاقة.
وتشير خطة السلام الأخيرة التي صاغتها كييف وواشنطن إلى تطوير هذه المراكز كجزء من خطة إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب، بينما اقترحت خطة وضعتها روسيا والولايات المتحدة في نوفمبر في البداية إعادة تشغيل المحطة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تقاسم إنتاج الكهرباء بين روسيا وأوكرانيا.
ويدعو أحدث اقتراح أمريكي إلى تشغيل المصنع بشكل مشترك من قبل الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا “مع قيام الأمريكيين بدور المدير الرئيسي”، كما صرح زيلينسكي للصحفيين الأسبوع الماضي.
في الوقت نفسه، رفض زيلينسكي تلك الفكرة، وقال: “كيف يمكن أن يكون هناك نشاط تجاري مشترك مع الروس بعد كل ما حدث؟”.
وبدلاً من ذلك، اقترحت كييف تشغيل المحطة كمشروع مشترك مع واشنطن، وقال زيلينسكي: “سيذهب 50% من الكهرباء المنتجة إلى أوكرانيا، أما النسبة المتبقية البالغة 50%، فستحدد الولايات المتحدة حصتها بشكل مستقل”.
وتلفت “نيويورك تايمز” إلى أنه “بهذا التصريح، ألمح زيلينسكي إلى إمكانية تحويل الحصة الأمريكية كليًا أو جزئيًا إلى روسيا، إلا أنه من غير المرجح أن تتخلى موسكو تمامًا عن السيطرة على المنشأة.
