
طوال سنوات، ظل الدين العام واحداً من أكثر ملفات الاقتصاد المصري حساسية، مع بلوغ نسبته قرابة 100% من الناتج المحلي في ذروته وارتفاع كلفة خدمته إلى مستويات قياسية قيّدت الإنفاق الاجتماعي والاستثماري. تصريحات رئيس الوزراء المصري الأخيرة تعهّدت بعكس الاتجاه خلال بضع سنوات، على وقع تحسّن مؤشرات الاستقرار الكلي ومراجعات صندوق النقد الأخيرة.
الأسبوع الماضي، بدا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أكثر تفاؤلاً وابتهاجاً خلال مؤتمر صحافي عقد بمقر الحكومة، عقب انتهاء صندوق النقد الدولي من المراجعتين الخامسة والسادسة، مبرراً أسباب اللجوء إلى الديون بكثافة خلال السنوات الماضية، وموضحاً مسار الأموال المقترضة.
في 22 ديسمبر 2025 أعلن صندوق النقد الدولي توصّل بعثته لاتفاق على مستوى الخبراء مع مصر بخصوص المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج “التمويل الممتد” بقيمة 8 مليارات دولار، إلى جانب المراجعة الأولى لتمويل “المرونة والاستدامة” بنحو 1.3 مليار دولار، في خطوة تُمهّد لصرف نحو 2.5 مليار دولار بعد إقرار المجلس التنفيذي.
وقال مدبولي خلال المؤتمر: “مدركين بالكامل قلق المواطن، وتحذيرات خبراء الاقتصاد من مستويات الدين وخدمته، ومدى تأثر المواطنين خلال برامج الإصلاح الماضية”.
وأكد على أن الديون المصرية مستدامة ومستقرة، وأضاف “خلال سنوات قليلة سنصل لأدنى معدلات تاريخية للديون لم تشهدها مصر منذ 50 سنة”.
وقال رئيس الوزراء المصري: “نعلم أن خطوات الدولة في الإصلاحات الكبيرة تأثر بها المواطنون”، وحتى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي أشاد كثيراً بمدى وعي المواطن المصري، وأمله في مستقبل أفضل له ولأولاده.
إذاً.. لماذا اقترضت مصر؟
أرجع مدبولي السبب وراء التوسع في الاقتراض إلى “سلسلة استثمارات قاعدية” لبناء دولة حديثة بعد سنوات من تراكم الاختلالات في العديد من القطاعات شملت: الكهرباء، الإسكان، الصرف الصحي، والطرق، بالتوازي مع صدمات خارجية غير مسبوقة (كوفيد-19، حرب أوكرانيا، اضطرابات البحر الأحمر) ضغطت على العملة والميزانية.
وقال مدبولي إن إجمالي قدرات مصر الإنتاجية من الكهرباء تراوح بين 22 ألف ميغاوات إلى 24 ألف ميغاوات قبل عام 2014، وبسبب الثورات الاجتماعية لم تلتفت الدولة المصرية إلى الاحتياجات المتنامية على الكهرباء، ما دفع إلى ضرورة تعزيز القدرات الإنتاجية لمواجهة الطلب المتزايد والذي وصل إلى 39 ألف ميغاوات خلال أشهر الصيف الماضي وحده.
“لو استقر الإنتاج عند معدلاته السابقة لوصلت انقطاعات الكهرباء إلى أكثر من 12 ساعة يومياً”، بحسب مدبولي.
وعانت مصر من انقطاعات للكهرباء عند ذروة أزمة سعر الصرف في صيف 2024 ووصلت انقطاعات الكهرباء إلى ساعتين يومياً مع ارتفاع الطلب على الغاز.
كما تراجع إنتاج مصر من الغاز -والذي تستهلك محطات الكهرباء وحدها نحو 60% من إجمالي استهلاك مصر منه- إلى مستويات متدنية، دفعت الحكومة إلى عقد صفقة بقيمة 35 مليار دولار لاستيراد الغاز من إسرائيل لعقود.
وتستهدف مصر زيادة اعتمادها على الكهرباء المولدة من مصادر متجددة إلى 42% بحلول عام 2030.
كابوس الإسكان
قالت الحكومة إنها بنت 1.5 مليون وحدة وأزالت مناطق خطرة، فيما تكشف وثائق مبادرة “حياة كريمة” أن الاستثمارات الريفية في مرحلتها الأولى بلغت نحو 350 مليار جنيه تشمل شبكات مياه وصرف ومدارس وصحة لقرابة 18 مليون مواطن في 1,477 قرية.
وفيما أشار مدبولي إلى 300 ألف أسرة كانت تعيش في “عشش” (مباني مؤقتة، وبيوت من صفيح) وكان يتم تصويرها للإساءة إلى سمعة مصر قبل 2010، وكان لدينا مشكلة إسكان رهيبة وصلت إلى خلق ما يعرف بـ”إسكان المقابر” في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، حتى أن توفير وحدة سكنية لشاب في مقتبل العمر كان أشبه بكابوس لكل أسرة مصرية، بحسب رئيس الوزراء المصري.
لكن في المقابل، يتم بيع الوحدات السكنية لمحدودي الدخل بسعر التكلفة، فيما تتحمل وزارة المالية عبء فارق تكلفة التمويل لهذه الوحدات.
التوسع في تغطية الصرف الصحي
مدبولي أشار إلى أن تغطية الصرف في القرى كانت 12% عند توليه ملف وزارة الإسكان كوزير لأول مرة، وارتفعت إلى 65% حالياً، وقال إن التغطية الكاملة للقرى ستتم عبر مبادرة “حياة كريمة” قريباً.
وأشار مدبولي إلى الاستثمارات الضخمة التي نفذتها الحكومة في مشروعات الطرق والمحاور والموانئ لتسهيل حركة التجارة وانتقال الناس والبضائع، وهو ما شهد تحسناً ملموساً يستطيع أي شخص الشعور به، “حدث هذا مع تضاعف عدد السكان”، بحسب رئيس الوزراء المصري.
وفي قطاع الصحة أنهت مصر قوائم انتظار العمليات ونفذت 2.8 مليون عملية جراحية يتحمل المواطن منها بين 300 إلى 450 جنيهاً فقط، كان من بينها زراعة كبد وعمليات قلب مفتوح. فضلاً عن المبادرة الرئاسية للتخلص من فيروس “سي”.
على الجانب الآخر، أكد مدبولي أن كثافة الفصول، انخفضت إلى أقل من 50 طالباً، كما تم زيادة عدد الجامعات المصرية من 50 إلى 120 جامعة.
اختصر مدبولي الاقتراض طوال السنوات الماضية بأنه كان “مبرراً لبناء دولة حديثة”.
وقال مدبولي، إن الدولة كانت تستدين وتعلم كيف سيتم سداد الديون، إلا أن الصدمات الخارجية غير المسبوقة لم تكن متوقعة، وأخرجت بعض الأشياء عن حساباتها ليس في مصر وحدها بل في كل دول العالم.
“من سنتين الدين 96% وحالياً 84% وسنخفض الدين لأقل مستوى من 50 سنة لم يتم رؤيته، والأرقام توضح”، بحسب رئيس الوزراء.
وقال “بدأنا المسار التنازلي وقدرة الدولة على التعامل، والأهم أنه مع الإجراءات وانخفاض الفائدة، وخدمة الدين كرقم ستنزل بشكل كبير، وسنركز الفائض على إنهاء المشروعات ودعم المواطن عبر حياة كريمة”.
وقال “نتحدث عن 3 أو 4 سنوات لتغير كبير في شكل الدولة المصرية”.
هل تولد هذه الاستثمارات نمواً سريعاً؟
لا يزال الجدل قائماً، فبينما تؤكد مصر المسار النزولي للدين والضغوط الحكومية، تحذر تقارير نقدية من “مفارقة البنية التحتية” حين تسبق الطرق والموانئ نمو الإنتاج الصناعي والزراعي.
لكن الحكومة تراهن على أثر تراكمي في الإنتاجية وتقليل زمن الانتقال وجذب الاستثمار الخاص عبر تسوية بيئة الأعمال.
الجدل يمتد أيضاً إلى تكلفة خدمة الدين والتي تلتهم الجزء الأكبر من إيرادات الدولة (وأغلبها ضرائب) ما يبرر أن الاستدانة في جزء منها تعود إلى ضرورة سداد ديون حان استحقاقها دون وجود مورد يكفي للسداد.
ورغم تحقيق فائض أولي قياسي بلغ 3.6% من الناتج في 2024/2025 (629 مليار جنيه)، ما يزال بند خدمة الدين يلتهم حصة كبيرة من الإنفاق ويقيد الحيز المالي.
الفائض الأولي هو مصطلح يشير إلى الفارق بين الإيرادات والنفقات دون حساب فوائد الديون.
4 محددات من صندوق النقد
من جانبه، حدد صندوق النقد الدولي 4 ركائز لدعم قصة الاستدامة في مصر:
استمرار الفائض الأولي (≥3.5% من الناتج)
سياسة نقدية مشددة تتحول تدريجياً لتيسير مدروس
برنامج طموح لخفض دور الدولة وتوسيع القطاع الخاص
تمديد آجال الدين الداخلي عبر سندات أطول وصكوك محلية
