بعد مرور عشر سنوات على الحديث عن “عصر ذهبي” للعلاقات بين بريطانيا والصين، تواجه الدولتان اليوم خلافًا متصاعدًا حال دون التوصل إلى اتفاق بشأن بناء سفارتيهما، مما ينذر بتحول التعاون المأمول إلى حالة من الجمود الدبلوماسي الكامل، بحسب ما أوردته صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية.

مشروع “السفارة العملاقة” يثير مخاوف أمنية
اشترت الصين موقع دار سكّ العملة الملكية السابق قرب برج لندن عام 2018 مقابل 255 مليون جنيه إسترليني، لتشييد ما سيكون أكبر سفارة في أوروبا، إلا أن الحكومة البريطانية أرجأت قرار الموافقة على البناء حتى ديسمبر المقبل، وهو ما أثار غضب بكين التي اتهمت لندن بـ”التصرف بسوء نية”، وفقًا لما ذكرته فاينانشال تايمز.

وأعادت الصين تقديم طلب ترخيص البناء بعد أيام من فوز حزب العمال بالسلطة في يوليو 2024، لكن حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر تدخلت في الطلب في أكتوبر الماضي مستخدمة صلاحياتها للتدخل في المشاريع ذات الأهمية الوطنية.

وحذّر محامون متخصصون في قضايا التخطيط من أن الحكومة قد تكون تصرفت بشكل غير قانوني إذا كانت قدّمت ضمانات مسبقة لبكين، خاصة بعد أن أخبر ستارمر الرئيس الصيني شي جين بينغ في نوفمبر أن وزراءه “اتخذوا إجراءات” بشأن القضية.

أثار المشروع مخاوف واسعة بين المشرعين والخبراء الأمنيين، إذ حذّر نقاد من أن السفارة قد تتحول إلى “مركز للتجسس”، خاصة أن بكين حجبت أجزاء من مخططات الموقع.

ولفت لوك دي بولفورد، المدير التنفيذي للتحالف البرلماني الدولي المعني بالصين والناقد الدائم لخطط السفارة، إلى أن مشرعين في واشنطن حذّروا أيضًا من إمكانية اختراق الصين لكابلات البيانات الحيوية القريبة من الموقع والتي تخدم بنوكًا أميركية.

السفارة البريطانية في بكين.. أزمة متفاقمة منذ عقود
في الوقت نفسه، تواجه بريطانيا أزمة حقيقية مع مقر سفارتها في العاصمة الصينية، فوفقًا لفاينانشال تايمز، تحتل السفارة البريطانية موقعها الحالي منذ عام 1959، عندما سيطرت حكومة ماو تسي تونغ على مبنى المفوضية البريطانية القديم في وسط بكين لبناء مجمع قضائي. أما المبنى الحالي فهو عبارة عن منزلين من طابقين وسط حدائق داخل سور، ويحمل تاريخًا مضطربًا، إذ أحرقه الحرس الأحمر لماو عام 1967 واعتدى على موظفيه بعد قمع السلطات الاستعمارية البريطانية لأعمال شغب يسارية في هونغ كونغ.

اليوم، بات المجمع القديم ضيقًا وغير ملائم للعمل رغم التجديدات العشوائية على مدى سنوات لاستيعاب الموظفين المتزايدين، بحسب دبلوماسيين تحدثوا لفاينانشال تايمز، كما يعاني المبنى من انتشار العفن والرطوبة، فضلًا عن تفشي اليرقات والحشرات، ما دفع الدبلوماسيين للتأكيد على ضرورة إجراء أعمال هيكلية شاملة بدلًا من الترميمات المؤقتة التي لم تعد تُجدي نفعًا.

تسعى وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية للحصول على موافقة السلطات الصينية على مشروع بقيمة 100 مليون جنيه إسترليني لهدم وإعادة بناء السفارة ومقر السفير ومساكن الموظفين، بحسب مناقصة صادرة في سبتمبر الماضي، إلا أن بكين تعرقل الموافقة، وتطالب بالإشراف على التجديد والمساعدة في اختيار شركة البناء، وهو مطلب ترفضه السفارة لمخاوف أمنية.

ضغوط متبادلة ورفض بريطاني للانصياع
رفع وزير الأعمال البريطاني بيتر كايل القضية خلال زيارته لبكين الشهر الماضي للترويج للفرص التجارية، قائلًا بوضوح: “إذا أرادت الصين الاستفادة القصوى من بريطانيا، عليها السماح لبريطانيا بمرافق تناسب اللحظة التي نعيشها، والآن هي ليست كذلك”.

كما دفع السير أولي روبنز، كبير الموظفين المدنيين في الوزارة، بخطة المرحلة الأولى بقيمة 60 مليون جنيه خلال زيارته هذا الشهر، وفقًا لمصادر مطلعة على الأمر.

المرحلة الأولى تتضمن هدم المقر الحالي واستبداله بمبنى سفارة جديد ومنزل حراسة وأعمال تنسيق، بينما ستشمل المرحلة الثانية بقيمة 40 مليون جنيه هدم السفارة الحالية واستبدالها بمبنى إقامة جديد، حسب المناقصة.

ورغم تحذيرات بكين من “عواقب” إذا لم تتم الموافقة على مشروعها بسرعة، أكد ستارمر لبلومبرغ هذا الأسبوع أنه لن “يُدفع” من قبل الصين، وأن القرار شبه القضائي حول موقع دار سكّ العملة “سيُتخذ بالطريقة الصحيحة، بغض النظر عن أي آراء أو ضغوط من أي جهة”.

معضلة دبلوماسية في ظل فضيحة تجسس
تأتي هذه الأزمة في وقت تورطت فيه الحكومة البريطانية في فضيحة تتعلق بقضية تجسس صينية انهارت بعد رفض الحكومة إبلاغ المدعين العامين بأن بكين تشكل تهديدًا واضحًا للأمن القومي، ما سلّط الضوء على رغبة الحكومة في تعزيز التجارة مع الصين، مع إبراز الطرق العديدة التي تعتبر بها وايتهول الصين تهديدًا.