
لازال الحديث مستمراً حول إشكالية مدي جواز اثبات الزواج أو الرجعة بالشهادة وفقاً للقانون وللمذهب الحنفى، فمن وقت لأخر تطفو على السطح أزمات “الطلاق الرجعى” أو مراجعة الزوجة بعد طلاقها، وهو الأمر الذى يتسبب في مشاكل حول الإرث بين الورثة، حيث تعُج المحاكم بمثل هذه القضايا بين الورثة، و”الطلاق الرجعي” هو الطلاق الذي لا يحتاج فيه لعودة الزوجة إلى زوجها إلى تجديد العقد ولا المهر ولا الأشهاد ولا ترفع أحكام النكاح، وهو أن يطلق الزوج امرأته المدخول بها طلقة واحدة، وله مراجعتها إن رغب ما دامت في العدة، فإن راجعها ثم طلقها الثانية، فله مراجعتها ما دامت في العدة، وهي في الحالتين زوجته ما دامت في العدة، يرثها وترثه، ولها النفقة والسكنى.
وهنا لابد من التفريق بين آمرين مهمين جداً عند النظر في إشكاليات الطلاق الرجعى هل فعلاً الطلاق كان رجعي، فيجوز للزوجة المتضررة لها إقامة دعوي إثبات الرجعة أم أنه طلاق بائن لأن الطلاق البائن بعقد ومهر جديدين فيكون التكييف الصحيح دعوي إثبات زواج وليس رجعة، مع الأخذ في الإعتبار أن الزوجة المتضررة في كثير من الأحيان تُقيم دعوى إثبات الرجعة، ويتم رفضها جزئى واستئنافي والتماس إعادة النظر.
مدي جواز اثبات الزواج أو الرجعة بالشهادة وفقاً للقانون وللمذهب الحنفي
في التقرير التالى، يلقى “برلماني” الضوء على إشكالية مدي جواز اثبات الزواج أو الرجعة بالشهادة وفقاً للقانون وللمذهب الحنفي، من حيث الشهادة، وشروط صحة الإقرار بالزواج، والنكول عن اليمين، والمحكمة المختصة بنظر دعوى إثبات الزوجية، وتعريف الطلاق الرجعي هو الطلاق الذي يملك فيه الزوج حق الرجعة، وتكون هذه الرجعة بلا عقد أو مهر، وبدون رضا الزوجة، والرجعي يكون دون الطلقة الثالثة للمدخول بها، أما غير المدخول بها فبمجرد طلاقه إياها فإنّها تبين منه، ولا تكون له عدة عليها – بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض محمد ميزار.
إثبات الزواج العرفى وإثبات الزواج في المذهب الحنفي
يثبت الزواج في الفقه الحنفي بأحد الأدلة الآتية:
أولاً: الشهادة
والشهادة في المعنى الاصطلاحي إخبار في مجلس القضاء عما وقع تحت سمع شخص و بصره مما يترتب عليه أثر في الشرع والقانون ، أي إخبار الانسان في مجلس القضاء بحق عل غيره لغيره، ونصاب الشهادة في إثبات الزواج شهادة رجلين عدلين أو رجل و امرأتين عدول – وفقا لـ”ميزار”.
والبينة حجة متعديه
فالثابت بها ثابت على الكافة ولا يثبت على المدعى عليه وحده، و يشترط في الشاهد: العدالة والبلوغ و الحرية والإبصار وألا يكون محدوداً في قذف، وألا يكون متهماً في شهادته، بأن كان يجر لنفسه مغنماً أو يدفع عن نفسه مغرماً، و يدخل في ذلك ألا يكون الشاهد من أصول أو فروع المشهود له أو زوجاً له، و العلم بالمشهود به، ذاكراً له وقت الأداء، والقدرة على التمييز بالسمع والبصر بين المدعى والمدعى عليه – الكلام لـ”ميزار” .
وقد أجيزت الشهادة بالتسامع استحساناً في بعض المسائل، منها إثبات الزواج، وذلك دفعاً للحرج و تعطيل الأحكام، بحيث أنه إذا اشتهر الزواج لدى الشاهد بأحد طريقي الشهرة الشرعية حل له أن يشهد به لدى القاضي، والشهرة الشرعية تنفسم الى قسمين: شهرة حقيقية، وهذه تكون بالسماع من أقوام كثيرين لا يتصور تواطؤهم على الكذب ويشترط فيهم العدالة، وشهرة حكمية، وتكون بشهادة عدلين أو رجل عدل وعدلتين بالشئ بلفظ الشهادة، وهذا هو الرأي المفتى به في المذهب.
وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأن: “العشرة والمساكنة لا تعتبر وحدها دليلاً شرعياً على قيام الزوجية و الفراش، إنما نص فقهاء الحنفية على أنه يحل للشاهد أن يشهد بالنكاح وإن لم يعاينه متى اشتهر عنده ذلك بأحد نوعي الشهادة الحقيقية أو الحكمية، فمن شهد رجلاً و امرأة يسكنان في موضع أو بينهما انبساط الأزواج و شهد لديه رجلان عدلان باللفظ الشهادة انها زوجته حل له أن يشهد بالنكاح و إن لم يحضر وقت العقد”، طبقا للطعن رقم 12 لسنة 36 قضائية – أحوال شخصية – جلسة 27 مارس 1968 .
ثانياً: الإقرار:
الإقرار شرعاً هو الاعتراف بثبوت حق للغير على نفس المقر و لو في المستقبل باللفظ أو ما في حكمه، و إذا أقر الشخص بحق لزمه، ويعد الإقرار حجة قاصرة على المقر بخلاف البينة، فإذا أقر أحد الزوجين بالزوجية كان اقراره هذا دليلاً كافياً لاثباتها دون حاجة إلى دليل آخر، ولا تشترط الشهادة في صحة الإقرار لأن الإقرار ليس انشاء للزوجية – هكذا يقول “ميزار”.
ويشترط في صحة الإقرار بالزواج و نفاذه ما يلي:
1- أن يكون المقر عاقلاً بالغاً .
2- أن يكون الزواج ممكناً الثبوت شرعاً، و ذلك بألا يكون الرجل متزوجاً بمحرم للمرأة كأختها و عمتها ، و لا بأربع سواها، و ألا تكون هي متزوجة فعلاً برجل آخر أو في عدة فرقة منه، سواء أكان الإقرار من الرجل أو من المرأة .
3- أن تصدق المرأة الرجل في إقراره إذا كان هو المقر، و أن يصدقها الرجل إذا كانت هي المقرة، لأن الإقرار حجة قاصرة على المقر.
والإقرار بالزوجية صحيح ونافذ سواء كان في حال الصحة أو في مرض الموت، متى ورد عليه التصديق من الجانب الآخر، سواء كان المقر هو الرجل أو المرأة (البكري – ص 127)، وذهب الصاحبان إلى أنه يصح التصديق من الطرف الآخر بعد موت المقر، سواء كان المقر هو الرجل أو المرأة، أما الإمام أبوحنيفة، فيذهب إلى أنه إذا كان المقر هو الرجل، فإنه يصح وينفذ لو صدقته المرأة بعد موته فيكون لها حقها في الميراث، أما إذا كانت المرأة هي المقرة فلا يصح تصديق الرجل بعد موتها، فلا تثبت به الزوجية ولا يستحق به الميراث، لأنه بموت المرأة تنقطع أحكام الزوجية، ولذلك يحل للرجل أن يتزوج بأختها عقب وفاتها وبأربع سواها ولا يحل له أن يغسلها إذ صارت أجنبية عنه أما بعد موت الرجل فالزوجية أحكام باقية كالعدة، ولذلك يحل لها أن تغسل زوجها – طبقا للخبير القانونى.
ثالثاً: النكول عن اليمين:
إذا لم يقر المدعى عليه بالزوجية، ولم يقدم المدعي بينة عليها ، أو على أن المدعي عليه قد أقر بها قبل ذلك، كان له – على رأي الصاحبين المفتى به – أن يطلب من القاضي تحليف المدعى عليه، فإن حلف رفضت الدعوى ، و إن نكل ثبت الزواج، لأن النكول إقرار بالمدعى به عندهما، وذهب أبو حنيفة إلى أن اليمين لا توجه إلى المدعى عليه إذا كان أحد الزوجين، وإذا وجهت إليه لم يثبت الزواج بنكوله، لأن النكول بذل لا إقرار عنده، والزواج ليس مما يبذل، هذا، وإذا قضي برفض الدعوى بعد أن حلف المدعي عليه أن ليس بينه و بين المدعي زوجية، كان هذا القضاء قضاء ترك لا يمنع المدعي من تجديد الدعوى إذا وجد البينة.
والمحكمة المختصة بنظر دعوى إثبات الزوجية:
فقد صدر القانون رقم 10 لسنة 2004 بإنشاء محاكم الأسرة، ونص في المادة الثالثة منه على أن: “تختص محاكم الأسرة دون غيرها بنظر جميع مسائل الأحوال الشخصية التي ينعقد الاختصاص بها للمحاكم الجزئية و الابتدائية طبقاً لأحكام قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الصادربالقانون رقم 1 لسنة 2000 ….”، وبذلك يكون المشرع قد عقد لمحاكم الأسرة الاختصاص النوعي بنظر جميع مسائل الأحوال الشخصية، ولم يعد هناك وجود لمحاكم جزئية وأخرى ابتدائية في نطاق منازعات الأحوال الشخصية، و بناء على ذلك يضحى الاختصاص بنظر دعوى إثبات الزوجية معقود لمحكمة الأسرة المختصة محلياً بنظرها.
تحديد الدعاوى التي لا يسري عليها القيد:
هناك من الدعاوى ما لا يسري عليها القيد الوارد بنص المادة 17 من القانون رقم 1 لسنة 2000 و الخاص بعدم سماع الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج، لكون الحقوق فيها ليست الزوجية سبباً مباشراً لها، أي ليست ناشئة عن عقد الزواج، و هناك نوع آخر من الدعاوى لا يسري عليها هذا القيد استثناءً من القانون نفسه بنص المادة المذكورة سلفاً، وبيان كلا النوعين على الوجه التالي:
الدعاوى التي لا يسري عليها القيد بغير نص: من هذه الدعاوى:
1- إثبات الإرث بسبب البنوة: لأن الإرث هنا سببه البنوة و ليس الزواج، فقد قضت محكمة النقض بأن: “لما كانت دعوى المطعون عليه هي دعوى ارث بسبب البنوة، و هي دعوى متميزة عن دعوى اثبات الزوجية أو اثبات أي حق من الحقوق التي تكون الزوجية سباً مباشراً لها، فإن اثبات البنوة الذي هو سبب الإرث لا يخضع لما أورده المشرع في المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية من قيد على سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها، إذ لا تأثير لهذا المنع من السماع على دعوى النسب سواء كان النسب مقصوداً لذاته أو كان وسيلة لدعوى المال، فإن هذه الدعوى باقية على حكمها المقرر في الشريعة الاسلامية حتى و لو كان النسب مبناه الزوجية الصحيحة، ولما كان اثبات البنوة وهو سبب الارث في النزاع الراهن بالبينة جائزاً فلم يكن على الحكم المطعون فيه أن يعرض لغير ما هو مقصود أو مطلوب بالدعوى”، طبقا للطعن رقم 21 لسنة 44 قضائية – أحوال شخصية – جلسة 7 أبريل 1976 .
