
في وقت تسيطر فيه المخاوف من اجتياح الروبوتات سوق العمل، أكدت دراسة حديثة أن الذكاء الاصطناعي لا يدمر الوظائف كما هو شائع، بل يعمل على إعادة تشكيلها جذريًا، حتى إن الشركات الأكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعي هي الأكثر طلبًا للعمالة الجديدة، ولكن بمهارات مختلفة تمامًا.
وكشفت الدراسة، التي أجراها الباحثون في معهد “كيل” الألماني للاقتصاد العالمي أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الموظف كليًا، بل يقوم بأتمتة مهام محددة داخل الوظيفة الواحدة، وهو التحول الذي يسمح للموظفين بالتحرر من الأعمال الروتينية والمكررة، والتركيز على المهام التي تتطلب الإبداع والتفكير النقدي والذكاء العاطفي.
آثار إيجابية
ويُعد محللو البيانات ومطوري البرمجيات والمترجمون من بين أكثر الفئات تعرضًا للذكاء الاصطناعي والتعامل معه، نظرًا لطبيعة وظائفهم المعرفية العالية وقلة تفاعلهم الاجتماعي، في المقابل يعمل عمال البناء وطاقم التمريض في وظائف تتطلب قوة بدنية أو تتضمن تواصلًا مكثفًا مع الآخرين، ما يجعلهم من بين الأقل تعرضًا له.
ونفت الدراسة لأول مرة على عكس الشائع أن يكون الذكاء الاصطناعي مُهدِّدًا للوظائف، بل وصفوه بأنه قادر على دعم الوظائف، وله آثار إيجابية على التوظيف في جميع المهن، لا سيما على عمال الإنتاج والمديرين، مثل التقنيات القائمة على نمذجة اللغة مثل ChatGPT أو Gemini.
الأعمال الروتينية
في المقابل، يؤثر الذكاء الاصطناعي المتعلق بالترجمة وتحرير النصوص سلبًا بشكل أساسي على الوظائف الإدارية والمكتبية التي تتطلب مهارات متوسطة، وبدرجة أقل على الوظائف التي تتطلب مهارات عالية، وقد تختفي بعض الأعمال الكتابية، ووظائف المساعدة، ومراكز الاتصال جزئيًا مع تزايد أتمتة الكتابة والتوثيق واسترجاع المعلومات.
وبحسب الدراسة، أصبح هذا النوع من الذكاء الاصطناعي قادرًا على أن يحل محل الوظائف الإدارية والمكتبية التي تتطلب مهارات متوسطة ويتولى الأعمال الورقية الروتينية، مما يتيح للموظفين التركيز على الجوانب الاجتماعية أو العملية لعملهم، كما يُسهم في توسيع نطاق التوظيف، وزيادة المهارات المطلوبة.
فجوة مهارات
وحذر المعهد من فجوة مهارات قد تضر بجيل الشباب؛ ففي حين تزداد الحاجة للخبراء، تتقلص المساحات المتاحة لوظائف المبتدئين التي تعتمد عادة على مهام إدخال البيانات أو التحليل البسيط، وهي المهام التي بات الذكاء الاصطناعي ينفذها بكفاءة 100%.
وشدد مؤلفو الدراسة على أن عام 2026 يمثل نقطة تحول، إذ لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي ميزة إضافية، بل أصبح الاندماج معه شرطًا أساسيًا للبقاء في سوق العمل، داعين الحكومات والمؤسسات التعليمية إلى التحرك السريع لتحديث المناهج الدراسية، مؤكدين أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الجمود المهني.
ويرى الباحثون في معهد كيل أن السياسات التي تشجع على التعلم المستمر وإعادة التأهيل المهني هي الضمانة الوحيدة لتحويل صدمة الذكاء الاصطناعي إلى فرصة لزيادة الدخل القومي وتحسين جودة الحياة المهنية، وأكدوا أن الذكاء الاصطناعي لن يحل الأشخاص بل إن الشخص الذي يجيد استخدام الذكاء الاصطناعي هو من سيفعل ذلك.
