
تحدث المترجم والأستاذ في معهد الأدب الأجنبي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، “ليف وينفي” عن تأثير الثقافة الروسية في الوجدان الصيني خلال القرن الماضي.

يبدأ “وينفي” حديثه بلمسات من حياته اليومية التي تعكس هذا الارتباط، فيقول: “لديّ قط اسمه ميشا. وزوجتي أيضا متخصصة في اللغة الروسية، وتعمل الآن مديرة معهد اللغات الأجنبية في جامعة الشعب. جميع أصدقائنا المتخصصين في اللغة الروسية وطلاب زوجتي يعرفون ميشا، وكثيرا ما يسألون عن حاله”. هذا القرب ليس استثناء، فالحياة المنزلية للمتخصصين الصينيين في اللغة الروسية لا تخلو من دمية “ماتريوشكا”. وتجد دائما أطباقا روسية تُحضّر في مطابخ هذه العائلات، بينما تعشق المتخصصات باللغة الروسية “الحجاب الروسي” الذي يُعرف في الشوارع فورا بأنه “رمز روسي” خالص.
وبالنظر إلى الماضي، يتذكر “وينفي” كيف كان الصينيون في القرن المنصرم لا يملكون سوى أشياء أجنبية “غريبة” قادمة من الاتحاد السوفيتي، ولم يكونوا يعرفون بعد كيف يعيش الناس في الغرب؛ فإذا كان أحدهم بصدد السفر إلى الخارج، كان واضحا للجميع أنه ذاهب إلى الاتحاد السوفيتي. وحول هذا التأثير الثقافي العميق، يوضح “وينفي” أن الثقافة الصينية، رغم عراقتها الفائقة، تأثرت بالهند في وقت من الأوقات عبر الدين من خلال البوذية. أما العلاقة بين الصين وروسيا وانتشار الثقافة السوفيتية الاشتراكية، فقد كان تأثيرا جاء عبر بوابة السياسة، وبدأ كل ذلك بتنظيم “حركة الرابع من مايو” عام 1919، التي كانت بمثابة البداية لثقافة صينية جديدة. وبالطبع لم يقتصر التأثير حينها على روسيا فحسب، بل شمل أيضا فرنسا وألمانيا في حركة ثقافية بالغة الأهمية، واليوم نناقش في الصين أسباب تلك الحركة، وقد لاحظنا وجود ثلاثة مصادر رئيسة شكلتها: الماركسية الألمانية، وعصر التنوير الفرنسي، والأدب الروسي.
وعند الحديث عن الأدباء الروس الكلاسيكيين، يكشف “وينفي” عن انحيازه الشخصي قائلا: “تشيخوف هو كاتبي الروسي المفضل. ورغم أنني لم أترجم أعماله لوجود مترجم ممتاز في الصين، إلا أنني كتبتُ مقدمة مطولة لأعماله”. كما يضيف أنه نشر مقالا في صحيفة “نارودنايا غازيتا” بعنوان “تشيخوف اللطيف”، تناول فيه رؤية تشيخوف للعالم وكيف تبرّع لبناء مستشفى ومكتبة، مشيرا إلى أن تشيخوف لا يميل إلى التطرف كمعظم الروس، بل هو دائما في الوسط، وتظل السخرية هي طريقته المفضلة في وصف العالم. وبالنسبة إلى الصين، يُعدّ ألكسندر بوشكين وأنطون تشيخوف وليف تولستوي وفيودور دوستويفسكي من أشهر الكتّاب، لكن دوستويفسكي هو من يتصدر القائمة اليوم.
وفي لفتة تعكس عمق الاهتمام بالأدب الروسي، يشير “وينفي” إلى مفارقة لافتة؛ ففي حين تكاد تخلو الشاشات الصينية من الأفلام والمسلسلات الغربية، نجد أن الصينيين حرصوا على ترجمة كافة الدراسات التي وضعها الباحثون الغربيون حول الأدب الروسي تقريبا. هذا الشغف انتقل من الرفوف إلى خشبة المسرح، حيث يستذكر “وينفي” ترجمته لمسرحية “آنا كارنينا” الموسيقية، التي لاقت نجاحا هائلا يعكس ذوق جيل الشباب الصيني اليوم، الذي بات يميل للمسرحيات الغنائية كفن رائد. وقد تجلى هذا النجاح حين قدمت فرقتان، روسية وصينية، عرض “آنا كارنينا” في وقت واحد؛ حيث غنّى الصينيون بالكلمات التي ترجمها “وينفي”، بينما غنت الفرقة الروسية بلغتهم الأم مع الاستعانة بترجمته لتظهر على الشاشات أمام الجمهور.
ويختتم “وينفي” برؤية نقدية حول تبدل المفاهيم، فيقول: “عندما كنتُ أدرس في الجامعة، بدت لي رواية “آنا كارنينا” مأساة عائلية كشف لنا تولستوي من خلالها عن جذورها في مجتمع ظالم”. وفي المقابل، يلاحظ بضحكة أن زميلاته، ودارسات اللغات السلافية عموما، لا يُحبذن الرواية، بل إن رواية “القيامة” تبدو مكروهة لديهن رغم أنه هو من ترجمها إلى الصينية! ويرجع ذلك إلى انتشار الحركة النسوية في العالم التي جعلت من تولستوي هدفا. لكنه يرى أن هذه الحركة لا تتمتع بشعبية كبيرة في الصين، فالمشاهدون الصينيون لا يزالون ينظرون في المقام الأول إلى جمال الحبكة وسحر الشخصية الرئيسية.
