كشفت صحيفة ليزيكو الفرنسية أن الموجة الحارة الثالثة التي تضرب فرنسا في أقل من شهرين ونصف أجبرت السلطات على إلغاء عشرات الفعاليات الرياضية والثقافية، وتقليص ساعات عمل أكبر متاحفها، وإيقاف مفاعلات نووية، في حين تتصاعد المخاوف من تداعيات اقتصادية حادة تطال أسعار الغذاء ومبيعات التجزئة، مع وضع 37 محافظة تحت أعلى درجات الإنذار الحراري، وسط درجات حرارة تخطت 42 درجة مئوية.

ثلث الفرنسيين في قلب الأزمة

رصدت ليزيكو وضع 37 محافظة فرنسية تحت أعلى درجات الإنذار الحراري، أي ما يعادل ثلث سكان البلاد تقريبًا، في ظل درجات حرارة تتراوح بين 37 و42 درجة مئوية، فيما سجلت جنوب غرب فرنسا ذروة حرارية بلغت 42.2 درجة.

وقد ألقى هذا الضغط الحراري بظلاله الثقيلة على المستشفيات التي باتت تستقبل أعدادًا متصاعدة من ضحايا ضربات الشمس، وهو ما دفع نقابات أطباء الطوارئ إلى المطالبة بإلغاء الفعاليات الرياضية، حرصًا على الطاقة الاستيعابية المتبقية لدى المراكز الطبية.

الرياضة تستسلم للحرارة وتاريخ “تور دو فرانس” يُكسر

على الصعيد الرياضي، رصدت ليزيكو ما لم يحدث في تاريخ سباق تور دو فرانس الشهير قط، إذ اضطر المنظمون للمرة الأولى إلى حذف 30 كيلومترًا من إحدى المراحل، لتستقر عند 155.5 كيلومترًا فقط بعد أن اقترب الميزان الحراري من 40 درجة خلال السباق.

وفي السياق ذاته، أُلغي سباق الترياتلون المزمع إقامته في مدينة فرساي، استجابةً لمطالب النقابات الطبية التي رأت في المنافسة خطرًا مضاعفًا لا يمكن القبول به.

صمت الموسيقى والعيد الوطني في مهب الريح

لم تسلم الفعاليات الثقافية والاحتفالية من مقصلة الحر، فبعد أن طالت الإلغاءات مهرجان Solidays في يونيو، رفضت السلطات المحلية ترخيص مهرجاني Garorock وFestival de Chambord هذه المرة.

والأكثر رمزيةً أن رئيس شرطة باريس أصدر قرارًا بإلغاء حفلات رقص ليلة 14 يوليو، في سابقة تمس أيقونة العيد الوطني الفرنسي.

وبحسب ما أوردته ليزيكو نقلًا عن وزير الداخلية لوران نونيز، في تصريح لقناة BFMTV، فإن قرار الألعاب النارية يُحال إلى تقدير كل محافظ على حدة، مع توصية صريحة بإلغائها في المناطق عالية الخطورة، لا سيما أن يوم السبت وحده شهد 250 حريقًا، وأتى على 25 ألف هكتار، أي ضعف ما سُجل في الفترة ذاتها من العام الماضي.

كما حذر الوزير من التجمعات الاحتفالية حول مباراة نصف نهائي كأس العالم بين فرنسا وإسبانيا المرتقبة في اليوم نفسه، خشية تفاقم الضغط على خدمات الطوارئ جراء الإفراط في شرب الكحول في أجواء حارقة.

اللوفر يُغلق مبكرًا والمفاعلات النووية تتعثر

حتى المتاحف لم تصمد، إذ أعلن اللوفر تقليص ساعات عمله حتى الرابعة مساءً، فيما اكتفى متحف أورسيه بالإغلاق عند الساعة السابعة عشرة، وذلك بسبب أجزاء من المباني وصفتها المؤسستان بأنها “هشة أمام الشمس الحارقة وغير مهيأة لتداعيات التغير المناخي”.

وعلى جبهة الطاقة، كشفت ليزيكو أن شركة EDF أوقفت ثلاثة مفاعلات نووية وخفضت طاقة ثمانية أخرى، إذ ارتفعت درجة حرارة مياه التبريد إلى مستوى بات معه ضخها في الأنهار تهديدًا مباشرًا للحياة المائية.

ولتعويض هذا العجز، لجأت فرنسا مجددًا إلى محطات الغاز في خطوة نادرة صيفًا، أسهمت بدورها في تصعيد انبعاثات الكربون، في حلقة مفرغة تُغذي الاحترار وتزيد من وطأته.

الاقتصاد ينزف والغلاء يطرق أبواب المائدة

تختتم ليزيكو بتحذير اقتصادي لافت، فوفقًا لبيانات Retail Int. لتحالف التجارة، تراجعت مبيعات المتاجر بنسبة 6.5% في يونيو 2026 مقارنةً بالعام الماضي، فيما اضطرت الحكومة إلى مد موسم التخفيضات حتى 28 يوليو عوضًا عن 21 منه.

والأخطر على المدى البعيد أن الخسائر الزراعية الناجمة عن الحر، من نفوق الماشية وجفاف التربة وانهيار المحاصيل، تُلقي بظلالها على دخل المزارعين وأسعار الغذاء معًا.

وقد سبق لبعض المصانع الغذائية، كمصنع رقائق Brets في بريتاني، أن علقت إنتاجها بالفعل في نهاية يونيو جراء قيود المياه التي فُرضت لصون الاحتياطيات لشرب السكان واحتياجات المستشفيات.